بعد كل قصص الحب التي قرأتها، والتي شاهدتها على شاشات التلفزيون وفي قاعات السينما، او سمعتها من اصحابها مباشرة، استطيع ان اقول بثقة ان (كل قصص الحب متشابهة) تماما كما قال (باولوكويلو) الروائي البرازيلي الذائع الصيت، صاحب الروايات العالمية الانسانية الاكثر شهرة مثل «الخيميائى» و «على نهر بييدرا ..» و «فيرونيكا تقرر ان تموت». فعلى نهر بييدرا جلست (بيلار)، بطلة الحكاية الأزلية للحب المستحيل، تستعيد ذكريات الحب، وتكتبها كي تجعل الحزن حنينا، والعزلة ذكريات، معتقدة بمقولة تلك العرافة التي حكت لها اسطورة نهر (بييدرا) فآمنت بها، لذلك صارت تكتب على ضفافه حكايتها مع القديس الذي احببته عندما كانت طفلة، والتقته صدفة عندما صارت شابة، بينما اعطى هو قلبه لله قائلا لها بأن من نذر نفسه لحب الله، لايمكن ان يساكن قلبه حب آخر، وتحديدا حب امرأة، مع انه احبها طوال حياته ومنذ كان طفلا شغوفا بملكوت السماء! كل العشاق والمحبين يتحدثون عن عذابات الحب بنفس الطريقة، وعن قسوة ليالي الحرمان، واستحالة الحياة عندما يرحل الحبيب او يذهب او يختفي تماما، او لايكون حبه بالطريقة نفسها التي يريدون، ساعتها يذرفون الدموع بنفس الطريقة، ويقولون الكلمات نفسها، بأن الحياة لامعنى لها بدونه، وبأن الاشياء والاماكن لا شكل ولا طعم ولا رائحة لها، كل العشاق على مرالتاريخ الانساني يتحدثون عن قسوة الحبيب الذي ينسى الحب او يتنكر لعهوده وذكرياته، ببساطة وكأن شيئا لم يكن، كل المحبين يدعون بأن الذي ينسى ويخون هو المرأة، وكل النساء يدعين بأن الذين ينسون ويشيحون بوجوههم سريعا هم الرجال، لأنهم يستطيعون استبدال قلوبهم بصخور كالجلاميد ببساطة!! ومابين الرجل والمرأة تتخلق في كل لحظة حكاية حب بدرجة او بأخرى، وحكاية هجر وحكاية عذاب، وحكاية عشق مستحيل .. تنتهي بنفس الطريقة دائما .. ذلك ان كل حكايات الحب متشابهة!! لقد قالت المرأة التي حكت اسطورة نهر (بييدرا) بأن اي شيء ينقذف في هذا النهر يتحول الى حصى في مجراه .. اوراق الاشجار .. ريش الطيور .. رسائل الحب، ودموع العشاق .. ولذلك ارادت (بيلار) ان تكتب حكايتها وترمي بها في هذا النهر، ليتحول قلبها الى حجر، فتنسى وترتاح من العذاب!! فمن اللحظة التي التقته فيها بعد طول غياب، وهي تعلم استحالة الحب بين امرأة تفكر في وظيفة بسيطة كأي امرأة، وزوج تحب ان تجده بقربها دائما، وحياة هادئة واولاد ومصروف محسوب، وعطلات سنوية مقننة، حياة بلا مخاوف ولامغامرات ولا ارباكات، وبين رجل وهب نفسه للناس ولله ولحياة اخرى، كانت تعلم ان الذي يحب عصفوراً على الشجرة يعلم مدى قدرته على احتمال الشقاء والعذاب، لان الشجرة ان لم ترحل بطائرها، رحل العصفور عن الشجرة لا محالة .. ومع ذلك لم تستطع ان تقاوم انهيار السد!! كانت تعلم ان الحب مثل السدود، اذا ترك فيها مجال لشق بسيط يتسرب منه خيط من الماء، فلن يلبث الماء ان يسقط الجدران تدريجيا، وسيأتي يوم لامحالة، لن يستطيع فيه احد ان يتحكم بقوة التيار، واذا انهارت الجدران يستبد الحب طاغيا، ولايعود ممكنا السؤال عما هو ممكن، وعما هو ليس ممكنا، عما اذا كنا قادرين على ابقاء من نحب بقربنا دائما، ام اننا لانملك المقدرة على ذلك، الحب هو فقدان السيطرة على المشاعر تماما. كانت تقول له دائما بأن الرغبة في ابقاء من نحب بقربنا تشبه احساس المدمن الذي لايطيق ان يحرم مما أدمن عليه، وبأن التعلق بمن نحب يجعلنا كالاطفال وكالمجانين احيانا، ونفقد تماما البوصلة والاتجاه والسيطرة على تصرفاتنا، ولذلك يجب علينا ـ كانت تقول له ـ حينما نحب ان نختار اشخاصا يمكننا ان نحتفظ بهم بقربنا دائما! فهل هذا ممكن؟! كانت تعلم كل ذلك، لأنها سمعت، وقرأت وعايشت وعاشت حكايات كثيرة متشابهة عن الحب الذي يعصف بأصحابه، ويتركهم كالريشة الصغيرة في مهب العاصفة، وكانت تعتقد بأنها حصنت نفسها حيال الحياة والامل والحب، وبأنها صارت في مأمن من رعب الريش والعواصف والعذابات السخيفة التي لاتنتهي، لكنها لم تحسب حساب القدر والصدفة واستحكاماتهما ابدا ـ لقد التقت صديق طفولتها صدفة، وقاومت رياحه العاصفة ـ لكنها استسلمت لاحساسها بأنها منقادة الى دربه لا محاله. انها اشكالية التعارض بين الدروب المختلفة التي قد يسلكها الناس لكي تتحقق مصائرهم وحياتهم في رحلة العمر التي لا تكون في كل احوالها ذات جدوى اذا كانت خالية من الحب، حتى لو كان ذلك الحب بائسا او شقيا او بلا أمل او بأمل لكنه بعيد جدا .. هكذا توصلنا (بيلار) في آخر حكايتها على نهر بييدرا!!