يجتمعون الآن هناك، فوق تلك الربى والسهول الطليقة. أراهم من بعيدٍ يقيمون ذروة احتفالهم، لكن المشهد ساطع الوضوح في المخيّلة، كما لو أن شريطاً سينمائياً تتوالى لقطاته وتدور على مراياي البيضاء. أتأمل أهلي مليّاً، وهم يباركون الأرض بانكسار الوحش الطريد، فألمح في العيون أملاً يشوبه الحزن والأسئلة، إذ ثمّة مطارح من ديارنا مفخّخة بألعاب العدو العمياء التي تكره الأطفال، فيما التلال والمزارع الخضراء لاتزال رهينة تنتظر شمسها الآتية. ـــــــ لم أشاهد وسط حلقات الفرح «نجوم الحفل»، فقد واصلوا غيابهم مشتّتين في أماكن مبعثرة، منهم من يعيشون أَسرَهم الطويل في الزنازين الضيقة، وبينهم من صعدت أرواحهم إلى السماء، وامتزجت أجسادهم بالتراب الذي ذادوا عنه شرّ القراصنة الجدد ورجسهم. لا أعرف من هؤلاء الغائبين الكثير، ولم أرَ من وجوههم إلا القليل، أولئك الذين سالت آلامهم وتقصّفت أعمارهم كالأغصان، تاركين الآمال تجري خلف ظلالهم الحاسرة ليتلقفها المارّون وسط مخاطر المنحدرات ووعورة القمم. فتية قادمون من الأساطير القصيّة ومخيّلات الطيّبين، شربوا منذ أن أنجبتهم الأمهات حبّاً فاضت به أرواحهم، وما كان لقلوبهم أن تتسع لبذله وتفانيه. ذهبوا في اتجاه الهوى القبلي، فصوّبوا نيرانهم نحو السواتر السوداء، وفتحوا الأبواب الموصدة، وأضاءوا عتمة النوافذ، ثم عشّبوا عتباتنا من الحطام، ورتّبوا لنا حيواتنا بألوان الزهر وطعم الفاكهة، ومضوا بعيداً في الرحيل. ــــــــ مرّ عامان على انبثاق فجرٍ جديدٍ فوق ذرى جبل عامل الدانية بحنوّ على شقيقاتها من قمم وأودية الجليل. وكانت رسائل الأمنيات تطير مخترقة الأسلاك الشائكة، حاملة إلى الأرض السليبة أمل اللقاء بعد رحيل الغرباء. كان الخامس والعشرون من «نوّار» يوماً استثنائياً يختزن دفئه الخاص، ثم يوزّعه على القلوب الباردة، فتستعيد حرارتها وحماسها بعد عقود لم تطلق خلالها أهازيج نصرٍ حقيقية، فيما استجاب التاريخ فاتحاً صفحاته لتدوين هزيمة «الجيش الذي لا يقهر» على أيدي رجال عشقوا الحرية وتسلّحوا بالعزيمة، واثبتوا أن حلم «امبراطورية النيل والفرات» يمكن تبديده بالإرادة الصلبة والإصرار وتحويله إلى مجرّد فيلم كرتوني. ـــــــ في ذلك اليوم الجنوبي الجميل، لم تكن السنابل قد نضجت بعد، وكان لوز الجبل قد أخلى الساحة لأكواز التين الماضية على مهلٍ نحو صيفها العسلي، بينما كانت عناقيد الكرمة الخضراء تهيئ حصرمها إلى حمرته والذهب! كانت الأرض في أبهى أيامها، حيث مواسم القطاف اجتمعت سوياً في أجمل لقاء بين جنى الطبيعة وحصاد الحرية. ولأن تراب الجنوب ارتوى، تألّق الزرع وصَلُب عوده، حتى صار عصيّاً على الغزاة وأيديهم الطويلة وأفواههم المسمومة، فراحوا يجرّون أذيال خيباتهم، فيما نداءات أمهاتهم القابعات في «مستعمرات الخوف» لم تفارق آذانهم طوال احتلالهم الذي أمضوا أيامه ولياليه يأساً ورعباً واحتضاراً. ــــــــ الخامس والعشرون من «نوّار»، لم أشهده قبل عامين، وما كان لديّ ما أقوله في ذلك الحين. فدائماً كنت أراني عاجزاً عن العبارة على وقع الحدث الآني، وأحسّني كلما نأيت عنه أتوق إليه وإلى لحظاته. وها إنني الآن في زهو قلّ أن شعرت به، لكنه مقرون بالحزن أيضاً، فالحرية تعني الحياة، ومادام البشر القاطنون هناك على حيرة في يومياتهم محاطين بألغام العدو وعربدته، وإهمال أولي الأمر في تنمية الديار ناساً وزرعاً وحجراً، فستبقى الأسئلة مشرعة والقلق مقيماً في النفوس. E.mail:ismail_haidar@yahoo.com