مجموعة من التساؤلات الاولية التي تطرح نفسها عن المؤتمر الدولي للسلام تبدو بذاتها مقدمة مهمة لفهم ابعاد هذا المؤتمر وأهدافه، خاصة بالنسبة لتفكير رئيس الحكومة الاسرائيلية ارييل شارون. وأول هذه التساؤلات ينطلق من المؤتمرات السابقة التي عقدت والاتفاقات الموقعة بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي، ويدخل ضمنها بالتأكيد مستوى التفكير الاسرائيلي وأهدافه البعيدة والقريبة، ويمكن ان نعيد بشكل استرجاعي مؤتمر مدريد ومن ثم اتفاق اوسلو ومحطات شرم الشيخ وواي ريفر وكامب ديفيد الثاني، وكلها تعطي الدلالة الواضحة عن افكار الكيان الصهيوني فيما يتعلق بمسيرة التسوية، حيث نستطيع ان نستنتج منها ومن تداعياتها ابعاد المخطط الصهيوني الذي صار واضحاً في المرحلة الاخيرة من مراحل الصراع العربي الاسرائيلي، والذي تجلت ابعاده في الآونة الاخيرة من خلال حرب المجازر التي قام بها الكيان الصهيوني في الاراضي المحتلة وباشرها شارون بدعوته لمؤتمر اقليمي لا يرمي من خلاله الا الى اعادة عملية التسوية الى ملفاتها الاولى، مما يضع سؤالاً عريضاً عن أهداف شارون من وراء هذا المؤتمر. حسابات شارونية اذا كان شارون يريد مؤتمراً اقليمياً خاصاً فما هي مرجعية هذا المؤتمر وقد وضع منذ البداية شروطه وافكاره التي تدل دلالة واضحة انه لا يسعى الى حل الأزمة بقدر ما يسعى الى تفجير الاوضاع، ليس على الساحة الفلسطينية فحسب بل في المنطقة بأسرها، ففي بداية طرحه استبعد سوريا ولبنان والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وهو بذلك يستبعد اطراف الصراع الرئيسية مما يعني بشكل مباشر ان شارون لا يريد من هذا المؤتمر اي حل للمشكلة بقدر ما يفكر في ابعاد القضية عن مفهومها الرئيسي، بل اننا نستشف من هذه الدعوة ان الهدف الأساسي لشارون هو ان يلتقي بالقادة العرب ويكسر طوق مقاطعتهم لاسرائيل، ولنتذكر هنا انه وبعد اعلان ولي العهد السعودي الامير عبدالله عن مبادرته لم يبد شارون اي حماس تجاه المبادرة بقدر ما ابدى حماساً تجاه لقاء ولي العهد السعودي مع معرفته المسبقة بمعارضة الامير عبدالله لمثل هذه اللقاءات. وبشكل عام تبدو ارادة شارون لهذا المؤتمر بعيدة عن اي منطق سياسي، فهو يريد ان تجري الامور حسب مخططاته بل هو يريد تحديد شكل الحكومة الفلسطينية التي يمكن ان تشارك في المؤتمر، فحينما دعا الرئيس الاميركي جورج بوش شارون اثناء لقائهما الاخير في واشنطن الى المضي قدماً لوضع اسس دولة فلسطينية مستقلة رد شارون ان الامر سابق لأوانه وقال: «ما يجب القيام به اولاً هو اتخاذ اجراءات لاصلاح السلطة الفلسطينية»! وشارون لا يريد حقيقة اصلاح السلطة الفلسطينية بقدر ما يسعى للتخلص من عرفات وابعاده عن الاراضي الفلسطينية، وهذا الهدف يبدو انه الآن الفكرة الاولى في اجندة شارون خاصة في ظل التخوف الداخلي الذي يعيشه داخل اروقة السياسة والصراع الحزبي الاسرائيلي، فشبح بنيامين نتانياهو ما زال مسيطراً على تحركاته خاصة ان نتانياهو قد اعلن انه يريد التخلص من عرفات، وهذا التوجه صار جزءاً مهماً من تفكير الكيان الصهيوني خاصة ضمن الاحزاب اليمينية التي باتت تطرح بشكل يومي افكارها الخاصة بالتخلص من عرفات، ولم يقتصر هذا التوجه على احزاب اليمين بل انتقل الى قطاعات واسعة من اجنحة اليسار كما هو الحال عند بنيامين بن اليعازر. واجمالا فإن حكومة شارون يبدو انها مستعدة لمثل هذا الخيار رغم ان واشنطن لا تريد خياراً كهذا بشكل علني على اقل تقدير، وهذا ما دفع المعلق الاسرائيلي عمانوئيل روزين للقول متحدثاً الى اذاعة جيش الاحتلال: «ان شارون لن ينهي عملية السور الواقي الا بعدما يطرد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من المنطقة.. وما يناقشه من ضرورة اجراء اصلاحات في السلطة الفلسطينية هراء، لأنه لا احد من اقطاب الحكومة الاسرائيلية يريد اجراء مفاوضات سياسية مع الفلسطينيين» وهذا هو الواقع لأن الحكومة الاسرائيلية لا تسعى الى ايجاد الحل بقدر ما تريد تصعيد الازمة للوصول الى المخطط الصهيوني الذي تحدث عنه شارون بالمجازر المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني. ان ما يجري داخل حلبات السياسة في الكيان الصهيوني لا يدل مطلقا على ان مؤتمراً دوليا او اقليميا كما يريده شارون يمكن ان يحصل، سواء من خلال افكاره التي يطرحها بشكل يومي او من خلال افكار معظم القطاعات السياسية في اسرائيل. فالنائب المتطرف (ميخائيل كلايئر) من «احيروت» لم يكتف برفضه أية مفاوضات او مؤتمرات، بل دعا الى اعادة الحكم العسكري الاسرائيلي على كافة المناطق الفلسطينية واعادة الوضع الى ما كان عليه قبل عام 1993، حينما أتت السلطة الفلسطينية على المنطقة (أ) حسب اتفاق اوسلو وتسلمت مهامها ضمن ترتيبات الوضع المرحلي، وهو يقول (ميخائيل كلايئر): «نحن بحاجة الى عملية سور ثانية من اجل التخلص من عشرات آلاف المقاتلين الذين أتوا من تونس ومصادرة عشرات آلاف البنادق والدخول الى مناطق السلطة الفلسطينية بما في ذلك الخليل وغزة وفرض الحكم العسكري مجددا» ولعل شارون يريد ذلك حقيقة، فتدمير البنية التحتية للسلطة الفلسطينية والمجازر التي ارتكبها في الاراضي الفلسطينية تبدو بحد ذاتها استجابة لدعوة الاطراف السياسية الاسرائيلية وهو بالتأكيد ماض بمخططه. فمع دعوته للمؤتمر الاقليمي فإنه سرعان ما صرح بعد عملية «ريشون لتسيون» الاولى قبل اسابيع بأن «اسرائيل ستحارب واسرائيل ستنتصر وعندما يتحقق النصر ستصنع اسرائيل السلام»، وهو بذلك يؤكد فرض شروطه المسبقة التي لن تقدم لعملية السلام أية بذرة صالحة يمكن ان تنبت او تحيا، بل على العكس فاستراتيجية شارون لا تريد مؤتمرا عالميا او اقليميا الا من اجل متابعة المشروع الصهيوني الذي بات يرتكز على مجموعة من المباديء العامة، وباتت دعواته الى المؤتمر تحمل في طياتها الكثير من تدمير عملية التسوية المدمرة اصلا ولكن هذه المرة تدمير بموافقة عالمية. التدمير من جديد يمكن ان نحدد ابعاد المخطط الشاروني من خلال دعوته للمؤتمر، فرغم اوسلو وتداعياتها وما جلبته على الفلسطينيين من كوارث الا ان الدعوة لمؤتمر كما يريده شارون ستقضي تماما على اتفاقية اوسلو، وبالتأكيد وحسب الافكار الشارونية فإن مرجعية مدريد لن يعود لها اي وجود وبالتأكيد ايضا فما دام شارون يرفض اتفاق اوسلو فإن عرضه لن يكون اكثر من عروض كامب ديفيد الثانية التي لم يقبلها الفلسطينيون بل يريد رئيس الوزراء الاسرائيلي ان يحصن كيانه من اية عمليات فدائية اولا ويقضي على بنية الكفاح الوطني الفلسطيني ويحاصر الفلسطينيين من جميع الجهات الجغرافية والاقتصادية والسياسية في دولة اشبه ما تكون بسجن ليس كبيرا، وحتى هذا السجن فإن شارون لا يريده بشكل نهائي بل يريد العودة الى سياسة المراحل الانتقالية (الخطوة خطوة) التي لا تروي سوى مشروعه الاستيطاني افكاره الدموية. ان الافكار الشارونية الاولى باتت على المستوى العام لقضية الصراع افكارا ترمي الى ابعاد مختلفة طويلة الامد وعلى جميع المستويات، فعلى المستوي الداخلي اراد شارون ان يظهر للشارع الاسرائيلي مسألتين في آن معا الاولى موجهة لبعض المتذمرين من سياسته حيث جاء طرحه لمؤتمر اقليمي بمثابة التهدئة والتخدير للذين يطالبون بحل الازمة تخوفا من العمليات الاستشهادية الفلسطينية كما يطالبون بتنفيذ وعوده الامنية لذلك فهو يطرح نفسه بالنسبة لهم كرجل سلام بدعواته المتكررة للاجتماع مع العرب، اما الثانية فإنها موجهة الى المتطرفين حيث لا يريد ان يبقي على عرفات ولا يريد الاجتماع معه ويريد المؤتمر دون سوريا ولبنان بمعنى انه لا يريد حلا نهائيا ولا يريد الاعتراف بالقرارات الدولية التي ينادي بها العرب وهذا التوجه هو التوجه العام في الكيان الصهيوني وشارعه الذي يرعب شارون المتمسك بالسلطة. اما على المستوى الدولي فشارون يريد تحسين صورته المشوهة من جهة وارضاء الولايات المتحدة من جهة اخرى، فالادارة الاميركية تريد تحسين صورتها هي الاخرى بعد الدعم اللامحدود للمجازر الصهيونية في الاراضي الفلسطينية والتي اثرت بشكل ما على صورة الولايات المتحدة في العالم العربي خاصة في الاوساط الشعبية التي يمكن ان تهدد البضائع الاميركية وبعض شركاتها المعتمدة على المستهلك العربي مع علمنا ان قرار الادارة الاميركية يرتبط بشكل رئيسي بأصحاب رؤوس الاموال، وفكرة تأثير الشارع العربي هذه تنبه اليها نائب وزير الدفاع الاميركي للشئون السياسية حين قال: العالم العربي يشتعل غضباً على الولايات المتحدة حامية اسرائيل لانها لم تلجم رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون ولانها اعطته ضوءاً اخضر لتدمير السلطة الفلسطينية. ولعل هذا الدافع مع دوافع اخرى سياسة تراها الادارة الاميركية منها بعض الجفاء الذي اصاب العلاقات العربية الاميركية ومحاولة واشنطن تقديم جرعة مخدرة للعرب كي تمضي هي الاخرى في مخططاتها لضرب العراق، كل ذلك حرك ادارة بوش نحو مؤتمر دولي وبالمقابل حرك شارون نحو مؤتمره الاقليمي. اما فيما يتعلق بابعاد شارون من دعوته لمؤتمر اقليمي وعلى المستوى العربي فإن الشكل المبدئي للفكرة الشارونية تأتي لاجهاض مشروع السلام العربي الذي وافقت عليه قمة بيروت، حيث وجد شارون بدعوته للمؤتمر فرصة للتهرب من المبادرة السعودية التي تدعو الى الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الاراضي المحتلة عام 1967، ومجرد مثل هكذا دعوة ترهب شارون وتقوض مخططاته مما يعني انه اراد ان يضع بديلا عن الاجماع العربي حول السلام الذي ظهر في قمة بيروت بالموافقة على الافكار السعودية، بل ان شارون قد بدأ يضع شروطه لمشاركة السعودية في المؤتمر وهي التي اكدت انها ترفض المشاركة اذا ما استبعد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وهنا قام شارون وحكومته بحرب اعلامية على السعودية حيث وصف مساعدتها للفلسطينيين بأنها دعم «للارهاب الفلسطيني» حين قال: مشاركة المملكة العربية السعودية في مؤتمر اقليمي مشروطة بوقف هذه التحويلات في اشارة الى المساعدات المالية التي تقدمها السعودية للفلسطينيين، ولكن الرد السعودي جاء سريعاً من قبل نائب وزير الداخلية الامير محمد بن عبدالعزيز حين قال: اذا كان هذا ما يسمونه تورطاً فإن المملكة متورطة بدعم الفلسطينيين ودولتهم الفلسطينية ويبدو ان شارون تخوف من ضغط اميركي بعد زيارة ولي العهد السعودي الى واشنطن مما دعا الحكومة الاسرائيلية لشن حربها الاعلامية هذه. ان مؤتمر شارون الاقليمي أو مؤتمر بوش الدولي هو في الواقع محاولة جاهدة لتحطيم الاتفاقات السابقة مع السلطة الفلسطينية التي رغم قصورها قد تحطمت بطبيعة الحال، وفي الوقت ذاته محاولة لجعل مرجعية مدريد من مخلفات الماضي، بل لعل هذه الدعوات تبدو واقعيا انها تريد تأجيج صراعات فلسطينية فلسطينية، من جهة وعربية عربية من جهة اخرى بعد الاجماع العربي على المبادرة السعودية، علما ان هذا الاجماع نادرا ما حدث في تاريخ العرب المعاصر، وعمليا لا يبدو هذا المؤتمر انه سيحل اقل المشكلات تعقيداً، مادام شارون يرفض قرارات الشرعية الدولية من جهة والمبادرة العربية من جهة اخرى كما يرفض حضور الاطراف الرئيسية في الصراع. فهل سيستطيع شارون ان يمضي بمخططاته ام ان العرب سيبقون متمسكين بمقررات مؤتمر بيروت ويجهضون بذلك هذه المخططات؟! ـ كاتب فلسطيني