لاسترضاء اللوبي المسيحي ـ اليهودي في الولايات المتحدة يقترح المبعوث الاميركي إلى السودان جون دانفورث تقسيم الموارد المالية للنفط السوداني بين الحكومة وجيش قرنق. ولاسترضاء لوبي شركات النفط الاميركية يرى ان اي حل لمشكلة جنوب السودان يجب ان يكون في كل الاحوال في اطار سودان موحد. واذا كان هذا الاقتراح من شأنه حرمان شعب الجنوب من حق تقرير المصير (وبالتالي خيار الانفصال) فإنه يلائم مصالح الشركات النفطية الاميركية من ناحية الاستراتيجية الجغرافية للاستثمار النفطي، في حال دخول الشركات الاميركية السوق الاستثمارية للنفط السوداني الواعد باحتياطيات ضخمة. فالمناطق الجغرافية الواعدة نفطيا في السودان موزعة بين الشمال والجنوب. ولاعتبارات اقتصادية صرفة فإن الملائم لشركات النفط الاميركية (وغيرها) ان تتعامل استثماريا مع حكومة مركزية واحدة يتمدد سلطانها على الشمال والجنوب معاً، عوضا عن التعامل المشتت الاعلى تكلفة مع حكومتين على افتراض انفصال الجنوب ليصير دولة مستقلة. وهكذا يتأرجح دانفورث ـ كما يعكس تقريره إلى الرئيس بوش بشأن مهمته في السودان كوسيط ـ بين مصالح متضاربة لقوتين نافذتين في الداخل الاميركي فتنطلق توصياته المهزوزة، بالتالي من اعتبارات اميركية لا اعتبارات سودانية، مما يجعل مهمته محكوما عليها بالفشل في نهاية المطاف. ان دانفورث يقول ان تقسيم موارد النفط بين الحكومة وجيش قرنق «يمكن ان يكون صيغة مقبولة لايقاف الحرب». وبهذا الحكم الغريب فإنه يتبنى موقف اللوبي المسيحي ـ اليهودي في الكونجرس الاميركي الذي بدوره يتبى موقف «الجيش الشعبي» الداعي إلى مواصلة تأجيج الحرب كحرب صليبية ضد الشمال المسلم. واذن فإن معنى اقتسام موارد النفط في هذا السياق مع جيش التمرد هو تعزيز القوة القتالية لهذا الجيش لضمان استمرار الحرب. وليس اقل غرابة اقتراحه باسقاط حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان لاننا نجد هنا تناقضا فاضحا بين المقدمة والخلاصة. فالمبعوث الاميركي يقول ان جنوب السودان «واجه معاناة متعددة من الشمال بما في ذلك التعصب الديني والثقافي والعرقي». وتأسيسا على ذلك فإنه يقر بأن الجنوبيين طالبوا بحق تقرير المصير «ويتضمن ذلك حق الانفصال كما تنص مبادرة الايجاد». ومع ذلك فإن الخلاصة التي يخرج بها هي انه يرى «ضرورة ان تحفظ حقوق الجنوبيين في ظل سودان موحد». ولم يقدم دانفورث اي تبرير لهذا الاستخلاص. واذا كان الهاجس الاعظم الذي يسيطر على ذهنية المبعوث الاميركي إلى السودان ليس التفحص الموضوعي لمشكلة جنوب السودان وانما كيفية تفادي اي من القوتين المتواجهتين في الداخل الاميركي ـ اللوبي المسيحي اليهودي ولوبي شركات النفط والسعي للاسترضاء والتوفيق بين اجندتهما المتضاربة فإنه لا عجب ان يستهل تقريره بتنبيه مبكر بأن الولايات المتحدة «ليس لديها خطة سلام خاصة بها». وهذا التنبيه يتكرر بين ثنايا التقرير وكأن المبعوث الاميركي يريد ان يقول للناس انه، بالنظر إلى الصراع في الداخل الاميركي وسيط مكبل اليدين. حقا.. ان الولايات المتحدة ليس بوسعها ازاء الصراع داخل الكونغرس بين قوتين نافذتين رسم خطة موضوعية متكاملة لوقف الحرب في السودان على اساس حل سياسي موضوعي وشامل يرضي الشمال والجنوب معا. ولذلك كان من المحتم ان يقتصر الدور الاميركي كما يقول دانفورث في تقريره في «تشجيع» خطط ومبادرات الآخرين ـ وبصورة اكثر تحديدا وساطة «ايجاد» التي يتولى امرها جيران السودان الافارقة ومشروع المبادرة المصرية الليبية. وفي هذا يقول دانفورث: «لقد قلت بشكل واضح ان الولايات المتحدة لا تنوي اطلاق مبادرة سلام جديدة.. فهناك كثير من المبادرات.. وهدفنا هو دعم هذه المبادرات. ونحن يجب ان نشجعهم للتعاون مع بعضهم البعض». وهذا حديث لا يبشر بخير فمبادرة «ايجاد» بلغت طريقا مسدودا. والمبادرة المصرية الليبية عاجزة بعد ثلاث سنوات عن الانطلاق. والوساطة الاميركية كما رأينا محكومة بقيود داخلية. فما هو المخرج؟ في تقديري الشخصي انه قد آن الآوان ـ بعد 47 عاما من اسطورة «مشكلة الجنوب» ـ لشمال السودان ان يمارس حقه المشروع في تقرير المصير فقد يختار اهله الانفصال عن الجنوب. ولم لا؟!