فتحت هجمات 11 سبتمبر مغارة الخفافيش، وأطلقت مرة واحدة كل مافي النفس الأميركية من طيور جارحة، وديناصورات منقرضة، وثعابين سامة، وقيود قاسية استدعتها من العصور الوسطى، واجراءات صارمة كانت قد وضعتها في قبو التاريخ، تنصتت على الجنين في بطن أمه، راحت تسمع دبيب النملة، لجأت الى العنف في استجواب المشتبهين، ومنحت تراخيص القتل لجواسيسها في انحاء العالم الأربعة، ووضعت حواجز صعبة الاختراق على بوابات ومنافذ الدخول إليها. لقد كانت أميركا حلما مبتكرا. ومصباحا سحريا. ونبرة واثقة في نفسها لا تخلو من الغرور والتحدي. لكنها سرعان ما أصبحت بعد هجمات سبتمبر نبرة حزينة يسيطر عليها الإنكسار والأسى، فقد لملم الطاووس المعجب بصورته في المرآة جناحيه وانطوى على نفسه يشرب دموعه في صمت. وبدأ يخشى الغرباء، والزوار، والسياح الذين يأتون من كل الدنيا للفرجة عليه. إن أميركا أصدرت العام الأخير السابق على العام الذي شهد (هجمات 11 سبتمبر) نحو 7 ملايين تأشيرة دخول، لكنها في ذلك العام استقبلت نحو 500 مليون شخص، فتأشيرة الدخول الأميركية غالبا ماتكون صالحة لمدة 5 سنوات، ومتعددة الدخول، كما ان هناك رعايا لنحو 29 دولة يدخلونها ويخرجون منها دون تأشيرة، ليس عليهم سوى تقديم جواز السفر وابتسامة، ونحو 33% من راغبي الحصول على التأشيرة ترفض طلباتهم، حسب تقرير مفتشي الهجرة الذين يصل عددهم الى 2200 مهمتهم تعقب مخالفي التاشيرات في داخل البلاد. ونصف المليار زائر الذين يدخلون أميركا سنويا هم متنوعو الأسباب والاهداف، فيهم لاجئون من الشرق الأوسط استفادوا من قانون الرعاية السياسية والحماية الدينية، ومهاجرون من جنوب شرق اسيا والقرن الأفريقي وأميركا اللاتينية جاءوا الى سوق العمل المفتوح بتأشيرة حصلوا عليها بالقرعة، على طريقة اليانصيب، وسياح من اوروبا يسهل عليهم عبور المحيط الاطلنطي بتذكرة سفر رخيصة لتناول كأس من جعة البدوايزر الأميركية التي يعشقوها أو الفرجة على مسرحية غنائية تدخل عامها الخامس وتعرض في برودواي، حي المسارح والملاهي المتفجر بالأضواء في نيويورك. أما الزوار اليابانيون فيفضلون أن تكون زيارتهم في بداية الصيف، عندما تتفتح زهور الشيري البيضاء التي يعرفونها ويؤمنون بقدسيتها وينتمون اليها، فهذه الزهور هي أصلا يابانية أهدى شجيرات منها الامبراطور الياباني الى بلدية واشنطن بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد كبرت الشجيرات وأزهرت واصبحت علامة على قدوم الصيف في العاصمة الأميركية التي ليس فيها مايجذب السياح اليها، فهي لا تزيد عن كونها مدينة من المكاتب والمصالح البيروقراطية، من البيت الأبيض الى البنتاجون. وربما لهذا السبب كان مسموحا للسياح ان يزوروا هذه المكاتب مهما كانت حساسيتها وخطورتها، فقد كانت وكالة المخابرات المركزية الموجودة على بعد 40 دقيقة من واشنطن في مقاطعة تسمى لانجلي على سبيل المثال من معالم واشنطن التي تضعها شركات السياحة في برامجها، وكذلك كان البيت الأبيض والبنتاغون، لكن، ذلك أعيد النظر فيه بعد هجمات 11 سبتمبر فلم يعد مسموحا بزيارة البنتاجون ووكالة المخابرات المركزية، أما البيت الأبيض فأصبح على كل زائر له أن يقدم بطاقته الشخصية وهو يزوره. ولم يعد ممكنا دخول الكونغرس حتى لعاملين فيه الا بعد أخذ بصماتهم البيولوجية، بصمات الأصابع، والصوت، ولون العين، بخلاف صورة شخصية ملتقطة بالطريقة الرقمية، أو الديجيتال، وقد بدأ تعميم هذه البصمات على كافة الدوائر الرسمية، لمنع الاختراق، أو لمنع تسلل الغرباء والمخربين، وهو مافرض تمويلا اضافيا يقدر بنحو 3 مليارات دولار، في برنامج للحماية الأمنية يصل الى 10 أضعاف هذا الرقم، ويبدأ في منافذ الدخول الى البلاد ويصل عددها الى 301 منفذ بري وجوي وبحري، ويركز بالدرجة الأولى على الطلبة الأجانب ويبلغ عدهم 565 ألف طالب، فهناك اعتقاد يصعب تغييره بأن الطلبة الغرباء هم الجيش الذي يجد فيه الارهاب ضالته في تجنيد المنتحرين. إن المتهمين بهجمات 11 سبتمبر كان أغلبهم من الطلبة، لقد دخل هاني حنجور أميركا بتأشرة طلابية لتعلم اللغة الانجليزية في جامعة أوكلاند بكاليفورنيا. لكنه على حد قول «نيوزويك» لم يلتحق بتلك الكلية. وحين سمع اسمه مرة ثانية كان يقبض على اجهزة التحكم في الطائرة المدنية التي صدمت البنتاغون، وخرق محمد عطا القانون قبل وقت طويل من سيطرته على الطائرة الاخرى التي صدمت برج التجارة العالمي، فقد وصل الى مدينة ميامي وهو يحمل تأشيرة سياحية لكنه قرر أن يدرس الطيران، وبقى في المدينة بعد انتهاء تأشيرته دون اكتشافه، ثم كان ماكان. وفيما مضى كانت رسالة عابرة من جامعة أو كلية أو معهد خاص تكفي لحصول الطالب على تأشيرة الدخول، ولكن ذلك لم يعد متاحا الآن، إن منح التأشيرة لطالب مهما كانت جنسيته اصبحت عملية تخضع لاجراءات معقدة خاصة اذا كان من الشرق الأوسط أو دولة اسلامية، أصبحت التأشيرة تتوقف على ضمانات مالية كافية، وانتماءات سياسية مناسبة، وطبيعة شخصية سهلة ويحق لأي قنصل أميركي ان يعترض على منح التأشيرة دون ابداء الاسباب، ويكفي ان يذكر سببا للرفض: انه غير مستريح نفسيا، وقد تضررت الجامعات الأميركية من هذه الاجراءات، فهي تعيش على مايدفعه الطلبة الأجانب، وحسب مانشرته مجلة نيوزويك فإن الجامعات في ولاية كاليفورنيا وحدها تحصل من الأجانب على نحو 1.6 مليار دولار من الطلبة الأجانب وحدهم، وسيكون على الجامعات الاميركية أن تبلغ أجهزة الأمن المختلفة بكشوف حضور وانصراف الطلبة الأجانب وبأي تغيير يطرأ على عناوين اقامتهم، وبعد أن جاء نحو 16 ألف طالب من ايران وسوريا والعراق والسودان خلال السنوات العشر الاخيرة فإن تعليمات المباحث الفيدرالية بحرمان طلاب هذه الدول من الدراسة في أميركا قد اصبحت تعليمات لا رجوع فيها. وربما لهذا السبب فإن كل الاجراءات المتشددة التي راحت تتزايد يوما بعد يوم كانت موجهة لمن هم تحت الاربعين من عمرهم، أما من تجاوز الاربعين فإن تأشيرات الدخول على جوازات سفرهم بقيت صالحة دون اعتراض أو مراجعة، خاصة وان 40% ممن دخلوا أميركا بتأشيرة مؤقتة لم يغادروها وبقى نحو 12 مليوناً منهم يقيمون اقامة غير شرعية. ولم تتضرر الجامعات فقط وانما تضرر أصحاب العمل ايضا، إن نحو 3.5 ملايين عامل مكسيكي يقيمون اقامة غير شرعية في أميركا، لكن، لا أحد يجرؤ على طردهم. ليس من باب الشفقة وانما من باب المصلحة، فهم عمالة رخيصة في المزارع وشركات النظافة ومصانع لف منتجات اللحوم وشركات معالجة الاغذية. ويجد أصحاب المصالح في اعضاء الكونجرس سندا لهم، فقد كان بعض اعضاء الكونجرس وراء رفض تطبيق نظام الدخول والخروج الآلي على نقاط العبور الأميركية، وكان كل ماحدث هو مضاعفة عدد ضباط الأمن على الحدود من كندا والمكسيك ثلاث مرات، ومنح ضباط الأمن سلطات استثنائية مطلقة في الاعتقال والاشتباه دون حدود زمنية، ودون مراعاة لمنظمات الحقوق المدنية التي تتدخل لحماية الاجانب، وهناك 300 حالة انتهاك لحقوق الأجانب ترتكب يوميا على الأقل. وقد أعرب بن جونسون وهو المدير التنفيذي لرابطة محامي الهجرة لمجلة «نيوزويك» عن قلقه من تعرض الأجانب - الذين لا يمثلون أي تهديد - للاساءة اثناء حمى الافراط في الحماس لالقاء القبض على الارهابيين، ويقول: انه يمكن اعتقال أجنبي لا يحمل الوثائق اللازمة على اساس مخالفة بسيطة للقانون واعتباره مشتبها في انه ارهابي واعتقاله لفترة غير محددة الى انه يثبت انه ليس ارهابيا ولا خطيرا.. ويقول إن فكرة أن بالإمكان اعتقال شخص لفترة طويلة من الوقت دون السماح له بالرد على اتهامه بأنه ارهابي لم تعد تلقى استنكارا في بلادنا، ولم تعد تتعارض مع الحماية الشخصية التي تفرضها الاجراءات القانونية، ان علينا ان نحذر من هذه الحلول الزائفة. فالارهاب قادر على التخفي في ثياب وملامح وجنسيات مختلفة، ولو كنا الآن نبحث عنه في صورته القديمة التي ظهر بها في هجمات 11 سبتمبر فإنه بالقطع سيظهر لنا بصورة أخرى مختلفة تماما فيما بعد. إن أميركا التي تعد أشهر أمة من المهاجرين كانت تتفاخر بتنوعها العرقي وبجاذبيتها المغناطيسية لأولئك الذين يسعون الى حياة افضل، كانت أميركا هي البلد الوحيد في العالم الذي لا يشعر فيه الزائر بالغربة، فالأجنبي في أي دولة غير أميركا يسهل التعرف عليه من لغته أو ملامحه أو لونه، أما في أميركا فيصعب ذلك، لأنها دولة فيها كل الألوان والجنسيات والملامح والأديان واللغات، وكل من فيها يمكن أن يكون أميركيا، لكن، ماجرى بعد هجمات 11 سبتمبر هز أركان الأسطورة، وفقدت أميركا شعورها التقليدي بالأمان، وشعرت لأول مرة بالخطر، والأهم أن هذا الخطر كان قابعا في داخلها تنام وتصحو وتأكل وتسهر وتعيش معه. لقد وجدت أميركا نفسها مكشوفة من الداخل، لم تستطع برامج الصواريخ النووية والصواريخ العابرة للقارات أن تحميها امام هجمات الارهاب البسيطة والساذجة والموجعة في الوقت نفسه، فكان ان قررت ان تغلق الأبواب على نفسها وان تسعى جاهدة بكل الطرق ان تكون قلعة حصينة، غير قابلة للاختراق، ان هذا ماعبر عنه الرئيس جورج بوش حينما قال: (إن بلادنا لن تغلق أبوابها، ولكن الفتحة لن تكون واسعة)، وقد قامت السلطات الأميركية بعدة اجراءات تصورت انها تكفي لحمايتها. شددت الأمن على جميع طلبات التأشيرات، ورفعت فترة الانتظار الى نحو الشهر، حسب اقتراح السيناتور كيت بوند ولاية ميزوري وضاعفت من عدد الاسئلة في استمارة التأشيرة لتتمكن سفارتها من فحص شامل لخلفية طالب التأشيرة، ولم يبق سوى أن يسألوه عن الداية التي سحبته، وبنت الجيران التي أحبها، وهوية ناظر المدرسة الابتدائية الذي عاقبه، وأنواع الطعام التي يكرهها، وهم يدرسون اصدار تأشيرة لا يمكن تزويرها أو التلاعب بها، تتضمن شريحة ذكية فيها معلومات احصائية وبيولوجية. أما الصورة التي على التأشيرة فيضاف إليها بصمات الأصابع، والعين، وربما ماهو أكثر من ذلك، ان نصف الذين كانوا يحصلون على التأشيرة فيما قبل لن يحصلوا عليها فيما بعد. وأجبرت ادارة الهجرة شركات الطيران الأميركية والأجنبية على ان تقدم قوائم بأسماء جميع الركاب المسافرين الى أميركا قبل أن يصعدوا الى الطائرات، ان قوانين المطارات الأميركية تجبر ادارة الهجرة على فحص القادمين خلال مدة لا تزيد على ثلاثة أرباع الساعة، وحتى يمكن ان يحدث ذلك كان لابد من فحص ملفات القادمين قبل الهبوط، لكن رغم ذلك سجلت الاحصائيات 50 مليون عملية تفتيش جسدية للزوار خلال الستة أشهر الأولى بعد هجمات 11 سبتمبر وعلى المنافذ الأرضية تستغرق عملية الدخول نحو 3 ساعات على الاقل رغم زيادة اعداد مفتشي الهجرة والجمارك ثلاث مرات، وقد أضيف اليها ضباط مدنيون يتبعون المباحث الفيدرالية والمخابرات المركزية. ووسعت أجهزة الأمن الأميركية من تعريف الارهابي ليشمل أي شخص يفكر في العنف وأى شخص يوفر الدعم المادي للمنظمات الارهابية وأي شخص يروج للأفكار الارهابية بغض النظر عما اذا كان متصلا بالارهابيين أم يشجعهم من بعيد، وقد وضعت قاعدة معلومات مندمجة بين وزارة الخارجية ودائرة الهجرة يسهل على ضباط المطارات الاطلاع عليها، وطبقا للتعريف الجديد للارهابي فإن ثلاثة أرباع المسلمين في العالم وثلاثة أرباع العرب في الشرق الأوسط لن يدخلوا أميركا. ولن يشعر الذين يحظون بدخول «الجنة» الأميركية بالراحة، أنهم سيصبحون أرقاما على ملفات ستحفظ في جهات مختلفة، وسيكون على هذه الجهات مراجعتها من وقت الى اخر، وسيكون من حقها ان تطالب أصحابها بالبقاء في أماكن معينة لا يغادرونها، أو تفرض عليهم مغادرة البلاد فورا على أقرب طائرة مهما كانت الظروف والخسائر ودون أن يطالبوا بتعويض على الأضرار التي أصابتهم. ونحمد الله على اننا لا نذهب كثيرا الى هناك، ان المصريين لا يأتون في مرتبة متقدمة في قائمة زوار الشرق الأوسط، إن اسرائيل على رأس القائمة، ثم السعودية، فالأردن، ولبنان، والكويت، وايران، والامارات، وسوريا، والبحرين، وقطر، ثم تأتي مصر، لقد اكتشفنا على مايبدو وقبل ان تقع هجمات سبتمبر أن دخول «الجنة» الأميركية لم يعد سهلاً، فهل نتقاتل على دخول أميركا! ـ كاتب مصري