هل حقا ان الولايات المتحدة مهددة ـ الآن ـ بضربات جديدة على غرار ماجرى في سبتمبر الماضي؟ وهل يجب علينا أن نصدق التحذيرات الاميركية الجديدة؟ ربما يكون ما يقال صحيحا ... ربما، ولكن اغلب الظن ان هذه الضجة المثارة لها أهداف أخرى غير التحذير مما هو آت أو متوقع. ان هذه الضجة بدأت كهجوم مضاد عنيف على الانتقادات التي طغت على السطح الأميركي حول مسئولية ادارة بوش عن هجمات سبتمبر لأنها بلغة أهل القانون «علمت ولم تبلغ» ومن ثم فإن مسئولية الادارة قانونيا وسياسياً تكاد تصل الى درجة التواطؤ، فهي رغم علمها باحتمال وقوع الهجمات فانها لم تتخذ التدابير الضرورية لمنعها، ومن ثم قصرت في حماية شعبها وأمنها القومي. ومن المحتمل ان تكشف الأيام المقبلة ان هناك اطرافا أميركية ـ ذات روابط صهيونية مع اسرائيل ـ مررت او سهلت وصول المنفذين لاهدافهم، لكي تصل هذه الاطراف بدورها الى اهدافها التي نراها الآن تتحقق عالميا عبر ذريعة محاربة «الارهاب»، وعبر ضرب ومحاولة تصفية القضية الفلسطينية وجر العالم الى ما يسمى بـ «صراع الحضارات» .. ليس هناك ما ينفي هذه الفرضيات حتى الآن. والملاحظ ان ادارة بوش نجحت ـ فعلا ـ عبر اثارة هذه الضجة العنيفة في اسكات اصوات المتهمين لها مستغلة في ذلك حالة الهلع المنتشر، بين افراد الشعب الاميركي، ولكن ربما لايستمر نجاحها هذا طويلا، ان استراتيجية هذه الادارة داخل الولايات المتحدة تقوم على اسكات المنتقدين في الداخل، والارهاب وترهيب الرافضين لمخططاتها في الخارج، وشعارها الدائم هو «لا صوت يعلو على صوت محاربة الارهاب». وليس هناك ما يمنع من ان تكون هذه الضجة الجديدة مقدمة ـ ايضا ـ لتحقيق اهداف أوسع واكبر، فكل الاحتمالات مفتوحة، خاصة وان معظم اهداف الاستراتيجية الاميركية مما يسمى بالحرب على «الارهاب» لم تتحقق بعد، وما زال في هذه الاستراتيجية الكثير من المستهدف، فالعراق وكوريا الشمالية وايران وسوريا وليبيا دول مارقة او «شريرة» مطلوبة اميركيا!. ولأن العالم العربي ـ خصوصا بعد ما حدث في فلسطين من مجازر اسرائيلية مدعومة اميركيا ـ لم يعد مقتنعا بالحجج الاميركية الواهية او السخيفة، ولم تعد شعوبه تقبل بأي تورط رسمي مع الاستراتيجية الاميركية، فلابد لواشنطن من اعادة انعاش العقل العربي وتدويره ثانيا في فلك اتهامه بـ «الارهاب» عبر تشغيل الاسطوانة المكرورة بأنه المنتج الاول لـ «الارهاب» واشغاله وجلده عبر غرس عقدة الذنب داخله ـ ولا بأس من التلويح بالعصا للحكومات على طريقة «من ليس معنا فهو ضدنا»، وهي مقولة دبليو بوش المأثورة. أما عالميا فان اوروبا وغيرها من الشركاء الدوليين السابقين في التحالف ضد «الارهاب» فشأنهم شأن العرب، فقدوا حماسهم لهذا الحلف الشيطاني، بعدما تبين لهم ان الولايات المتحدة تبتزهم وتوظفهم من أجل تحقيق مصالحها الاستراتيجية على حساب مصالحهم جميعا، ولهذا فلابد من اعادة الجميع الى بؤرة التهديد ثانية مع وضع اميركا لنفسها موضع الضحية التي تستحق تعاطف الجميع ومناصرتهم. ومن أجل ان تتمكن ادارة بوش تحقيق هذه اللملمة الثلاثية داخليا وعربيا ودوليا فلا بأس من ان تعيد الولايات المتحدة على كل الاسماع اسطوانتها المقرفة بأنها مهددة من قوى الارهاب بضربات محتملة قوية تماثل ضربات سبتمبر. وحتى تضمن واشنطن تحقيق ما تريد فليس من المستبعد ـ بل ومن المرجح ـ ان تقوم جهات اميركية (أجهزة استخباراتية أو امنية ـ جماعات يمينية ـ قوى صهيونية) بتنفيذ عمليات محددة ومحدودة داخل الولايات المتحدة نفسها او تنفيذ عمليات تطال بعض مصالحها في الخارج، ولا مانع من ان توقع هذه العمليات بعض القتلى والجرحى وبعض الخسائر المادية الجسيمة! وهناك سوابق دولية في هذا المجال ـ تم استغلالها في تحقيق مصالح استراتيجية، ومن ذلك ما حدث في موسكو من تفجيرات للبنايات السكنية عام 1999، وتم اتخاذ هذه التفجيرات كمبرر لغزو الشيشان، لكن حقيقة تلك الهجمات فضحها مؤخرا المليونير اليهودي بوريس بيرز وفيسكي على صفحات الصحف الروسية، وهذا الرجل كان حليفا قويا للكرملين ثم اختلفا، فقد اتهم الاجهزة الروسية بأنها هي المدبرة والمنفذة لهذه الهجمات لكي تبرر غزوها للشيشان، ولكي تمكن فلاديمير بوتين ـ رئيس الوزراء آنذاك ـ من الظهور بمظهر الرجل القوي او بالاحرى كبديل لبوريس يلتسين، وتمكينه من الوصول الى رئاسة البلاد وهذا ماحدث بالفعل. وهذه النوعية من المؤامرات لا تعدم اجهزة كثيرة اللجوء اليها وقت اللزوم. فقد ثبت تاريخيا أن الدولة الصهيونية قامت بتفجيرات في بغداد وغيرها بين ابناء ديانتها من اليهود لتخويفهم وحثهم على الهجرة الى فلسطين المحتلة وقد نجحت وذلك مثبت تاريخيا بالفعل في مذكرات العديد من القادة الصهاينة، وليس أدل على ذلك ايضا من اغراق بن جوريون للسفينة تالينا بركابها اليهود، لانهم قرروا بعد وصولهم الى حيفا مغادرة فلسطين المحتلة الى الولايات المتحدة، مما يعد هزيمة للمشروع الصهيوني في بدايته. ولن نذهب بعيدا فحوادث الرعب التي عاشتها الولايات المتحدة وعاشها معها العالم كله خوفا من الجمرة الخبيثة قيل ان الجرثومة خرجت من معامل الجيش الاميركي، وليس هناك ما يمنع ان تكون اجهزة رسمية اميركية قامت بذلك لشغل الداخل الاميركي عما ارتكب من جرائم في افغانستان، فمع سقوط كابول اختفت الجمرة. وفي كتابه «التزييف الرهيب» او «الخديعة الكبرى» كشف المؤلف الفرنسي تيري ماسون، ان جون كنيدي احبط خلال حكمه مخططا رهيبا استهدف تنفيذ تفجيرات واسعة لاطلاق يد المؤسسة العسكرية وصناعة السلاح في المجتمع الاميركي .. وهذا ما يحدث ـ عمليا ـ اليوم في اميركا. ومن هنا ـ وفي وجود الاجهزة المتخصصة في تنفيذ المؤامرات ـ فان مايحدث اليوم في الولايات المتحدة وما سوف يتبعه من أحداث قد يكون مقدمة منمقة ومرتبة جيدا للمرحلة الثالثة لما يسمى بالحرب ضد «الارهاب» تلك المرحلة التي تستهدف العراق بشكل خاص .. فانتبهوا ايها العرب .. واحذروا الخديعة الاميركية الكبرى الجديدة.