عند آخر نقطة على طريق «طوي الخبيص» وقبل امتار معدودة من الشارع الذي يربط «مليحة» بقرية «المدام» يقف على يمين الطريق، مبنى حجري يزيده قتامة غبار الزمن الذي مر عليه. مخلوع النوافذ يتوسطه بقايا باب خشبي يحرس هيبته التي ضيعتها الرمال، فانه كان ذات يوم تحفة معمارية لم تشهد تلك البقعة مثلها هذا على اليمين اما على يسار الساير فهناك مبنى اكثر تواضعا واكثر خرابا، تقف جنبه معالم آلة متخلفة، صامدة باقية رغم انه لا حاجة لها، وانها تشوه جماليات المكان وتقف حجر عثرة امام الدواب وامام حركة السير نهارا وليلا، وكذلك امام التوسع والعمران او كما قد يقول بعضهم انها تعرقل نظافة وبهاء البيئة. هؤلاء الذين سيسيرون على هذا الطريق الجديد، قد يتضايقون من هذه الخرائب، قد يصرخون، قد يشتكون، لكنهم لو يعلمون ان هذه البقايا الهيكلية لها قصة، وانها جزء من حضارة وتاريخ هذه الارض، فالمبنى الحجري كان ذات يوم عيادة طبية بناها الجيش البريطاني خلال مرحلة ما كان يسمى امارات الساحل المتصالح، من يشاهد المبنى يشاهد ضخامته وفنه المعماري حسب معايير ذلك الزمان زمن الخمسينيات، عندما كان اهالي هذا المكان بدوا رحلا لا يعرفون سوى بيوت الشعر او حجرات سعف النخيل اذا طاب لهم المرعى وقرروا الاستقرار، وبناء هذه العيادة في منطقة العبور هذه امر غريب، فالمستعمر البريطاني في تاريخه الاسود بالمنطقة ومستعمراته الاخرى، لم يهتم بالعمران والتطوير والنظر في رغبات ومطالب الاهالي، انما حاول امتصاص خيراتها وتركها في حالات الظلام والجهل والحاجة، فان يوجد مثل هذا المبنى للبدو الرحل، لاشك انه مخطط له غايات ويحتاج الى بحث وتقص. على الجانب المعاكس للطريق، هناك بقايا قهوة شعبية وقربها محطة بترول، كانت هذه المحطة في عصرها حادثة تعد من عجائب الزمن، كيف جاءت الى هذا المكان النائي، من فكر بها، وكيف وصلت، وكيف عبرت هذه الكثبان؟ هذه المنطقة كانت خط سير في غاية الاهمية لحركة القوافل، فعندها تفترق الطرق، فهناك المتجهون نحو الباطنة والبريمي او القادمون من هناك نحو دبي والشارقة وكذلك المتحولون الى بقية المناطق شمالا وجنوبا، فازدهرت المحطة وازدهرت المنطقة زمنا طويلا، بقي من قهوة ومحطة «العويس» اليوم بقايا محطمة متآكلة، وبدل ان يقضي الزمن على هذه البقايا، وان يزيدها شكوى وازدراء المارة لها والذين يجهلون مجدها أسى ومرارة، علينا ان نصونها، نرممها ونبني لها سورا ونكتب ذكريات وتاريخ الذين مروا عليها. انها ليست قديمة جدا، ليست اثارا مدفونة لحضارة مغرقة في المجهول، لكنها غدا ستكون كذلك، علينا ان ننقذها قبل ان يدفنها الزمن، ويدفن معها صورة وصفحات تلك الحقبة من المسيرة. اذا غادرت المحطة، وودعت الاطلال واتجهت نحو «طوي الخبيص» هذه التي يحمل هذا المشروع الضخم اسمها، سيأتيك فضاء ممتد لايمكنك ان تحصي مداه، مهما حاولت ان ترتفع على اعلى هضبة تصادفك عنده، ستلمح انه اوسع واكبر مما كان. آية خلقها الله في هذا الفضاء ان تتناثر وتستوي الرمال هكذا، ترتفع وسطها عراقيب بشكل هندسي يعجز اعظم فنان ان يتخيلها او يأتي بشبيه لها، ويخلق الخالق سحرا اشد من ذلك تشاهده في تقارب هضاب كثبان الرمال لتعادل في علوها شامخات الجبال الملاصقة امر في غاية العجب ان توجد جبال صخرية وسط الصحراء، لون ومكونات هذه الجبال الهشة التي تتلاصق في سلسلة ممتدة وتتناثر في بقاع متباعدة من لوحة الصحراء هذه، تختلف طبيعتها وشكلها عن الجبال الصخرية التي نراها في البقاع الاخرى ومن غرائب هذه البقعة انها تحمل صنوفا مختلفة من اشكال وانواع الرمال، في زاوية تشاهدها باهتة خفيفة الملمس وفي اماكن متلاصقة تميل الى السواد ويختلط معها نوع من ذرات خشنة، حادة في صفرة لونها، وقرب هذه الانواع تشاهد شكلا مختلفا من الرمال قد لاتشاهده في بقعة اخرى من هذا الوطن، رملة حمراء صافية منزوية في مساحة ضيقة، قد تنقرض وتزول لو عبثت بها جرافات اولئك الذين يبحثون عن اي شيء، ويبيعون كل شيء. وتكتمل لوحة الصحراء الساحرة هذه بوجود الوادي العريض طويل المسار الذي تسكن مصبه واطرافه غابات من اشجار وشجيرات خضراء، نعم خضراء وسط عالم لايعترف سوى باللون الاصفر، لون رماله ولون حيواناته ودوابه وجميع موجوداته، كيف جاء هذا النهر العظيم هنا، انها احدى معجزات الاله ان تجتمع النقائض وتتآلف وتشكل وحدة متلاصقة وترسم اجمل صورة يمكن ان تطمئن عندها النفس وتحل فيها السكينة. هذه المنطقة الممتدة من: طوي الخبيص حتى محافز، مرورا ببقعة المرة، والبطحا والبحايص والفاية والرملة الحمرا، وما بينهما من مسميات ومناطق يثير ذكرها رنينا وصدى في الذاكرة، جميل ان يراها الناس، كل الناس، لكن الاجمل ان تحبس عنهم وتحول الى محميات طبيعية، خوفا عليها منهم، فما اسهل ان يلوث الانسان بيئته ويدمر سحر الطبيعة هذا. غدا سيمر على طريق الاسفلت الجديد خليط من الاجناس والجنسيات بمفاهيمها وعاداتها المختلفة، منهم من سيهون عليه امر ان يرمي ورقة خفيفة في هذا الفضاء، ومنهم من سيرمي اكياسا ثقيلة، وستكثر فضلاتهم مع الايام وعلى طوال مساحة الطريق الطويلة، ستغري بعضهم عراقيب الرمال ان يصعد عليها ويحطم شموخها، وتهشم عجلات مركبته نباتات او كائنات او تكوينات صغيرة تسكن فيها. سيشوي وسيرتفع تلوث داخله وسيتداخل مع دخان المركبات الثقيلة التي صنع لها هذا المسار والتي لن تنقطع عن الحركة عليه. سيأتي التلوث وستأتي الضوضاء وطبيعي ان يرحل مع هذه المنغصات صمت الطبيعة ونقاؤها. ولن تملك الدولة ان تضع شرطيا او حارسا على طول هذه المسافة. على الانسان ان يعي ان الثمن الذي تكبدته الحكومة لانشاء مثل هذا المشروع ضخم وغال، كل ذلك من اجل سلامته وراحته ورفاهيته، عليه ان يقدر ذلك، وعليه ان يشعر ان احترامه وحرصه على بيئته ونظافتها جزء من شخصيته واخلاقه ودينه وثقافته. ارحموا الصحراء كي لا تضيع ولا نضيع معها بقايا صفاء وسكينة، بقايا تاريخ وذكريات، بقايا سحر لا نجده الا عندها