رغم كل التقديرات التي تشير إلى أن شارون يعتبر في قمة قوته بعد المجازر الوحشية التي أدارها خلال الشهور القليلة الماضية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل في الأراضي المحتلة، وما يحققه من إجماع وطني إسرائيلي وراءه، إلى جانب ما يلقاه من دعم أميركي مطلق، إلا أن الحقيقة التي يدركها شارون جيدا في داخل نفسه، ويدركها أيضا من حوله من المؤيدين سواء في المؤسسة العسكرية، أو في الأحزاب اليمينية والدينية المتشددة، أن شارون في الواقع يعتبر في أضعف حالاته التي لم يمر بمثيل لها من قبل عبر تاريخه العسكري والسياسي. ويرجع ذلك إلى شعوره الدفين بأنه لم ينجح في تحقيق أي من أهدافه السياسية التي كان يطمح لها، حتى الأهداف المباشرة المتمثلة في ضم الـ 22 بالمائة الباقية من أرض فلسطين إلى إسرائيل، وأنه أصبح يقود إسرائيل إلى مستقبل مجهول محفوف بالمخاطر، وهذا ما يشعر به الإسرائيليون أنفسهم، والعسكريون منهم في المقدمة . كسر العدوان وصل شارون إلى أقصى ما يمكنه من استخدام وسائل القوة العسكرية التي يمكنها، ولم يبق في جعبته سوى القنبلة النووية، وأدار عملياته العسكرية في المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية بكل الأساليب الدموية وأعمال التدمير والتخريب والإبادة الجماعية، إلا أن كل ذلك لم يفلح في كسر إرادة الشعب الفلسطيني، فلم تفلح أساليب شارون البربرية في ترويع وتخويف الفلسطينيين ودفعهم إلى هجرة أراضيهم إلى البلدان المجاورة في الأردن ومصر كما كان يستهدف، وكما حدث في عام 1948 عقب مذابح دير ياسين وخان يونس وغيرها. صمد الفلسطينيون في مدنهم وقراهم وبلداتهم ومخيماتهم ولم يهجروها رغم الحصار والتجويع وأعمال التجريف واقتلاع المزروعات وهدم المنازل، وهو ما اثار ذهول شارون وعصابته، بل على العكس فإن ممارسات شارون الوحشية ولدت لدى الشعب الفلسطيني إرادة صلبة لا تلين على الاستمرار في المقاومة والقتال. يتضح ذلك من الحجم الضخم من الخسائر البشرية والمادية التي تعرض لها هذا الشعب، ولكنها لم تفت في عضده، حيث تشير المذكرة التي رفعها الوفد الفلسطيني إلى القمة العربية في بيروت عن الخسائر التي أصابت الشعب الفلسطيني في الفترة ما بين 28 سبتمبر 2000 و26 مارس 2002 - أي قبل الاجتياح الوحشي الأخير - إلى أن عدد الشهداء بلغ 2009، والجرحى 42706، والمعتقلين 16771 فلسطينيا أما الخسائر المادية فتقدر بنحو 8.99 مليارات دولار إضافة إلى اقتلاع أكثر من 47 ألف شجرة وجرف أكثر من 63 ألف دونم من الأراضي الزراعية وتدمير حوالي 1011 مبنى كليا أو جزئيا بينها 94 مستشفى وعيادة طبية. ومن المؤكد أن الاجتياح الأخير قد خلق أكثر من 1200 شهيد منهم 550 فقط في مخيم جنين وإصابة أكثر من 2000 آخرين بالإضافة إلى اعتقال حوالي 5000 فلسطيني. فهل نجح شارون بعد كل هذه الخسائر التي أحدثها بعدوانه النازي في تحقيق أهدافه السياسية والاستراتيجية حتى الأمنية منها ؟ نتائج عكسية لقد فشل تماما في منع الهجمات الاستشهادية التي تتعرض لها المستوطنات والقوات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وتضرب أيضا داخل العمق الإسرائيلي الذي أصبح من أهم أهداف ضربات المقاومة الفلسطينية، الأمر الذي أحدث فزعا ورعبا هائلا في داخل المجتمع الإسرائيلي لم يحدث من قبل ناهيك عن بروز ظاهرة قوة صمود المقاومة الفلسطينية ونجاحها رغم محدودية اسلحتها في تكبيد القوات الإسرائيلية خسائر بشرية جسيمة جعلت الجنود الإسرائيليين يصرخون في جنين كالفئران المذعورة مطالبين بوقف إطلاق النار، بعد أن حصدت نيران الفلسطينيين والسيارات المفخخة العشرات من الجنود الإسرائيليين، وهو ما اثار ذهول الإسرائيليين قيادة وشعبا وجيشا ودفعهم إلى مراجعة مواقفهم من تأييد شارون وإستمراره زعيما لهم. وحيث تشير الإحصاءات إلى أنه في مقابل كل ثلاثة قتلى من الفلسطينيين يقتل إسرائيلي بعد أن كانت النسبة في السابق خمسة إلى واحد، وهي نسبة عالية في الخسائر البشرية لم يعهدها المجتمع الإسرائيلي من قبل، وهو الآخذ في التداعي تحت وطأة المقاومة بعد أن ضرب الخوف والفزع جنباته، حتى أصبح 78 بالمائة من الإسرائيليين يتجنبون الذهاب إلى الأماكن العامة، وهو ما انعكس في استطلاع للرأي نشرته «معاريف» أخيرا يؤكد تردي شعبية شارون ومستوى الثقة بسياساته، إذ أعلن 67 في المائة عدم رضائهم عن أدائه الأمنى، كما أيد 71 بالمائة الفصل من جانب واحد عن الفلسطينيين وأيد 54 بالمائة إخلاء المستوطنات في غزة. أما على صعيد الجيش الإسرائيلي، فقد شهد عام 2001 ارتفاع نسبة الفارين من الجيش إلى 13 بالمائة، وارتفع عدد رافضي الخدمة في المناطق المحتلة من 53 ضابطا وجنديا إلى 235، ناهيك عن ارتفاع نسبة الانتحار وبيع السلاح والذخيرة وتناول المخدرات والاتجار بها، وهو ما دفع أحد مراسلي «معاريف» يوآف ليمو إلى نشر مقال تحت عنوان «تصدعات في الأسطورة» تحدث فيه عن عيوب الجيش الإسرائيلي والأزمة التي يعيشها وعجزه عن الانتصار في المعركة التي تحولت إلى حرب عصابات. وقد بادرت حركة الامهات الأربع التي ساهمت بفاعلية في الدفع نحو قرار الانسحاب من لبنان إلى تأسيس حركة جديدة باسم «اليوم السابع» شعارها يجب إنهاء حرب الأيام الستة أي الخروج من المناطق المحتلة عام 1967، كما أحدثت عمليات تدمير ثلاث دبابات من الميركافا التي تتباهى بها إسرائيل، بواسطة عبوات متفجرة بدائية صدمة قوية في الجيش والشعب الإسرائيلي، مما دفع مجلس السلام والأمن الإسرائيلي الذي يضم عددا من الضباط والاحتياط إلى الدعوة لإخلاء خمسين مستوطنه في الضفة في إطار الانفصال الأحادي. الهروب من «أرض الميعاد»! أما الحديث عن الهجرة المعاكسة لخارج إسرائيل (النزوح) فقد أصبح يشكل إرباكا وإزعاجا لحكومة شارون، حيث تخطت أعداد النازحين 5000 حالة خلال السنة الماضية، كما حدثت هجرة موازية من سكان المستوطنات إلى داخل إسرائيل بلغت أكثر من 750 عائلة ـ تواكب ذلك مع سحب أموال الإسرائيليين وإيداعها في خارج البلاد، حيث بلغت عام 2001 نحو 2.8مليار دولار بارتفاع 80 بالمائة قياسا بالعام السابق وبعشرة أضعاف قياسا بعام 1998، وبالطبع سيزداد الوضع سوءا بسبب التصعيد الأخير ويرجع ذلك إلى شعورهم بوجود تهديد وجودي على حد تعبير صحيفة يديعوت آحرونوت. ناهيك عن تراجع الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 35% خلال عام 2001 عن عام 2000 أما خسائر الاقتصاد عام 2002 فتقدر حتى نهاية مارس الماضي بحوالي عشرين مليار دولار . وعلى الصعيد الخارجي فقد تسببت سياسة شارون في تفجير كوامن الكراهية لليهود في المجتمعات الأوروبية وحتى المجتمع الأميركي، وهو ما انعكس في المظاهرات التي اندلعت تلقائيا ودون تنظيم مسبق احتجاجا على سياسة إسرائيل، وحيث أحرقت فيها مئات الاعلام الإسرائيلية بواسطة أوروبيين وهو ما فرض على الدول الأوروبية إعلان إدانتها للممارسات الإسرائيلية، ولم تخش في ذلك نفوذ اللوبيات الصهيونية المسيطرة في هذه الدول سياسيا وإعلاميا واقتصاديا، حتى أن صحفا أميركية عرفت بتأييدها المطلق لإسرائيل مثل نيويورك تايمز نشرت مقالا افتتاحيا في 10 أبريل الماضي تقول في صدره: شارون يهين أميركا.. المدافع الإسرائيلية وإجراءات منع التجول تدوس حياة المدنيين ومعيشتهم وكرامتهم. ولم يقتصر الأمر على المظاهرات والصحف التي تهاجم إسرائيل، بل تعدى ذلك إلى مهاجمة المعابد والممتلكات اليهودية في الخارج، وإلى مطالبة البرلمان الأوروبي بفرض عقوبات على إسرائيل، ووقف بعض الدول الأوروبية تزويد إسرائيل باحتياجاتها العسكرية مثل ألمانيا التي أوقفت تصدير قطع غيار (الميركافا)، كما أصبحت المستوطنات الإسرائيلية مثار خلاف واسع في دوائر صنع القرار الأميركي لأنها أصبحت تهدد العملية السلمية في الشرق الأوسط على حد تعبير كولين باول وزير الخارجية الأميركية، كما وصفت نيويورك تايمز المستوطنات بأنها (سوء تقدير تاريخي). تأثير المقاطعة وقد دخلت الشركات الأميركية أخيرا على ساحة إدانة إسرائيل بسبب الخسائر التي تعرضت لها هذه الشركات بفعل موجة المطالبة الشعبية العربية المطالبة بمقاطعة كل ما هو أميركي، حيث بلغ حجم خسائر هذه الشركات خلال شهر مارس فقط أكثر من 200 مليون دولار، أي ما يراوح 20 بالمائة من إجمالي الواردات الشهرية للدول العربية من أميركا، هذا في الوقت الذي يبلغ حجم الصادرات الأميركية للعالم العربي سنويا أكثر من 25 مليار دولار، وإذا ما استمرت دعاوى المقاطعة وتم تنظيمها شعبيا وحكوميا، فإن خسائر الشركات الأميركية ستصل إلى مليارات الدولارات في نهاية هذا العام، خاصة شركات السيارات والالكترونيات والمأكولات والمشروبات . خلاصة القول أن شارون وهو حاليا في أوج قوته يعتقد تماما أنه فشل في تحقيق أهدافه السياسية، فلم يستطع أن يخلع عرفات من قيادته للشعب الفلسطيني، ولم يستطع أن يقضي على جذور المقاومة رغم اغتياله المئات من قادتها ونشطائها، حيث يبرز مكان كل شهيد عشرات يحلون محله، كما لم يستطع أن يدفع الشعب الفلسطيني إلى هجرة أرضه، بينما تولول النساء الإسرائيليات مع كل قتيل إسرائيلي ويعرضن في وجه شارون خوفا على أبنائهن متهمينه بالفشل في تحقيق ما وعد به من أمن وسلام. الأمهات الفلسطينيات في المقابل يشجعن فلذات أكبادهن على التضحية بحياتهم في سبيل الوطن الفلسطيني ونيل حريته واستقلاله، ويستقبلن أخبار استشهاد أبنائهن بالفرح والابتهاج، وهو ما اثار دهشة العالم كله، وهي ظاهرة لا ولن يستطيع شارون أن يفهمها أو أن يفعل شيئا تجاهها مهما أقام من مناطق أمنية او أسوار عازلة، فقد نجحت عناصر المقاومة في اجتيازها. فهل يعقل بعد كل هذا النجاح الذي حققته المقاومة الفلسطينية الباسلة، وحيث يلوح نصر لبنان في أفق فلسطيني، أن يأتي الينا من يطالب بالعودة إلى تقرير تينت وتوصيات ميتشل من جديد، وكأن شيئا لم يتغير في معادلات المعركة!! وبعد أن أيقن الجميع أن المقاومة هي الخيار الوحيد للدفاع عن الحق الفلسطيني، وماإلى ذلك من خيارات تتحدث عن السلام وما هي إلا أوهام لن يصادفها النجاح إلا إذا استندت إلى إنجازات المقاومة باعتبارها السند الوحيد للمفاوض الفلسطيني في أي مفاوضات قادمة، واضعين في الاعتبار فشل وعقم فكرة تقديم التنازلات، بعد ما ثبت أن نفق التنازلات لا نهاية له، بجانب فشل الرهان على موقف أميركي محايد أو معتدل. ينبغي أن يكون الرهان فقط على قوانا الذاتية الشاملة، بعد اعتمادنا على المولى عز وجل الذي كفل النصر لعباده المؤمنين الصابرين. ـ خبير عسكري واستراتيجي مصري