يفاجأ الكثير من العرب ممن يحتكون بالكثير من الدوائر الأميركية الرسمية وشبه الرسمية بمدى المخاطر التي تحيط بهذا الوطن العربي الكبير ـ الصغير من جراء نجاح اسرائيل، وأنصارها في اقناع قطاعات كبيرة برأيها وتوجهاتها. ففي كل حوار وكل حديث وكل جانب تبرز آراء تتعلق بمستقبل العرب وعالمهم تدور في جلها حول تهميش العرب وابعادهم عن التأثير. ويزداد الأمر خطورة نتيجة ان معظم العرب يعيشون في صراعات داخلية وخلافات على قضايا محلية دينية ودنيوية بعيداً عن الاطار العالمي والاقليمي الذي يتحكم بهذه المحلية ويؤثر بها. الخطورة اليوم على العرب في وجود مسئولين وحركات وقادة ومجتمعات قلما يلتفتون الى التطورات العالمية قبل ان تصدمهم باعصارها وتدميرها. المشكلة الأكبر في الحالة العالمية التي تحيط بالعرب: انها حالة تتواجه وعرب مفككين، ضعفاء ومتراجعين في اقتصادهم، منغمسين في حسابات ضيقة ومحلية وبعيدين عن روح المسئولية المستقبلية تجاه مجتمعاتهم وابنائهم. الخطورة على العرب في اهمال الابعاد العالمية ومراكز القرار العالمي لا تقل عن الخطورة من سوء تنظيم حياتهم السياسية المحلية. لنأخذ بعض الأمثلة.. العرب في المرحلة الراهنة والمقبلة يواجهون تنافساً حقيقياً من قبل منافسين حقيقيين في مجال الطاقة. ليس غريباً أو سراً ان روسيا قد دخلت مجال الطاقة، وليس غريباً أو سراً ان اسرائيل مهتمة بالطاقة، وليس سراً ان دولاً عديدة ومنها أساساً اسرائيل يزعجها نفوذ دول الخليج وعلى الأخص المملكة العربية السعودية في العاصمة الاميركية، لهذا تسعى هذه الأطراف لتخفيف الاعتماد على العرب. اليوم نجد أوساطاً واسعة في الكونغرس الاميركي وصناع القرار في الولايات المتحدة ممن يؤمنون بضرورة البحث عن بدائل للطاقة وذلك لقناعتهم الداخلية بأن العرب لا مستقبل لهم غير التطرف والعنف والثورات، وان هذا هو مستقبل كل بقاع النفط الصديقة وغير الصديقة. هذا على الأقل ما استنتجوه من واقع المنطقة الأوسع ومن الاستماع لآراء تؤكد على هذا الوضع: نمط القادة، نمط العنف، طبيعة الأنظمة السياسية، طبيعة الحركات السياسية في المنطقة، اضافة لمقدرة اسرائيل على التركيز على هذه الأبعاد وتضخيم الكثير من جوانبها. وقد يقول أحدنا بأن البحث عن مصادر بديلة صار له سنوات وهو لم ولن يصل الى نتيجة تذكر. ولكن هذا الأمر يقوم اليوم على أرضية جديدة. فهناك في دوائر القرار الأميركية من فقدوا الأمل في علاقات طبيعية كالتي كانت قائمة مع العالم العربي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وهناك من يعتقدون بأن ما وقع في ايران سوف يقع في بقاع أخرى في العالم العربي، وان كل الأمر هو مجرد تأخير وتأجيل. لهذا ينطلق التفكير نحو استراتيجية مواجهة من الآن تمهيداً لهذا الاحتمال. والأهم هناك من يطرح سياسياً وفكرياً الأرضية لهذا التفكير، وهناك من يؤكد للمترددين انه لابد من التخلص من أدنى اعتماد على العالم العربي وان العرب لا مستقبل لهم في الاقتصاد المفتوح والديمقراطية، وان الأفضل هو الالتفاف عليهم حضارياً وثقافياً وتجارياً بما يضمن تهميشهم وعزلتهم. وهناك أوساط واسعة بدأت تقتنع بهذا المنطق وتسير به نحو النهاية المطلوبة: ان العرب لا يمكن ان يكونوا شركاء دوليين للولايات المتحدة وانهم جزء من المشكلة وليسوا جزءا من الحل. وهنا يبرز باستمرار من يؤكد ان الشريك الحقيقي الذي يمكن الاعتماد عليه على المدى البعيد هو اسرائيل وتركيا نظراً لاستقرارهما وطبيعة أنظمتهما، ولهذا لا تستطيع أميركا إلا ان تزيد من اعتمادها على هذين الشريكين، كما يقول هذا المنطق الذي يزداد رسوخاً في هذه المرحلة. فهل يعي العالم العربي هذه الخطورة ويواجهها بوسائل لا تقوم على الاتهام والصراخ، بل على التحالف والتحول لجزء من الحل والمستقبل؟ هل يواجه العرب هذه الأخطار من خلال التوجه لذات مراكز القرار التي يتوجه اليها كل منافس للعرب وباستخدام ذات اللغة والمنطق والوسائل؟ وهل نعي الآن بأن بعض التوجهات والتحركات والآراء والأعمال العربية تصب لصالح عزل العرب أميركياً وتقوية مواقع اسرائيل وقبضتها على الدولة الأكبر والأهم في العالم؟ إن المنطق السلبي تجاه العرب يزداد قوة في أروقة الكونغرس الأميركي وبين شخصيات ثقافية وفكرية وسياسة أميركية، وقضية المقاطعة العربية للبضائع الأميركية التي طرحت مؤخراً في العالم العربي أفرحت الاسرائيليين لأنها أعطتهم ورقة اضافية للعب عليها وكسب الولايات المتحدة في صفهم. السؤال: هل من رؤية استراتيجية عربية، أم ان العربي في قرننا الجديد يفضل ان يترك تقرير مصيره ومستقبله للآخرين؟! ـ أستاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت