ان تقول ان عائدات النفط السوداني يجب ان تقتسم بين الحكومة وحركة قرنق شيء. وأن تقول انها يجب ان تقتسم بين الشمال والجنوب شيء آخر. فبينما يعني القول الثاني تمويل برنامج تنموي لأهل الجنوب فإن القول الأول يعني تمويل القوى القتالية لحركة متمردة. اقتسام عائدات النفط السوداني باشراك «الجيش الشعبي لتحرير السودان» فيها كطرف مستفيد هو أحد المقترحات التي تضمنها تقرير السيناتور الاميركي جون دانفورث الى الرئيس بوش عن دور اميركي لوقف الحرب في جنوب السودان واحلال السلام. وعندما تطالع التقرير من أوله لآخره فإن اول انطباع يطرأ على ذهنك هو ان السيناتور يريد ان يظهر بمظهر الوسيط الموضوعي المحايد بين طرفي الحرب وبالتالي يحاول ان يقدم مقترحات متوازنة. ولكن من السذاجة بالطبع ألا نفترض ان دانفورث الذي سماه الرئيس الاميركي «مبعوثا خاصا» الى السودان لا ينطلق اساسا، رغم حياديته الظاهرة، من اعتبارات المصالح الحيوية العليا للولايات المتحدة. فما هي مصلحة الولايات المتحدة تجاه الوضع في السودان.. وخاصة الجنوب؟ هنا نجد الأمر معقدا بعض الشيء مما انعكس بالتالي على مهمة دانفورث. ففي داخل مؤسسة السلطة الأميركية صراع قوى متكافئة تجاه السودان ذات أهداف متضاربة. وكان من المحتم من الوهلة الاولى لشروع دانفورث في مهمته بعد ان صدر امر تعيينه رسميا كمبعوث رئاسي خاص الى السودان ان ينعكس هذا التضارب على تقريره النهائي لتتبلور مقترحاته عند نهاية المطاف كصيغ وسطية. الصراع حول السودان يدور داخل الكونغرس بين اللوبي النفطي من ناحية ولوبي اليمين المسيحي المتطرف المدعوم بسند اللوبي اليهودي. وظل هذا الصراع دائرا لمدى سنين طويلة لكنه برز بشكل أقوى بعد «أحداث سبتمبر» حيث ان مناخ هستريا «محاربة الارهاب الاسلامي» أدى الى تقوية التحالف بين اليمين المسيحي والحركة الصهيونية الى درجة ان جماعة اليمين المسيحي اطلقت على نفسها «الصهاينة المسيحيين». شركات النفط الأميركية تريد وقف الحرب في جنوب السودان بأسرع وقت ممكن حتى يتسنى لها بعد احلال سلام شامل دخول سوق الاستثمار النفطي بحجم كبير في السودان، شماله وجنوبه على حد سواء. وبهذا المنظور فانها لا تتخذ موقفا انحيازيا لأي من طرفي الحرب ـ الحكومة او جيش قرنق. اما جماعة «الصهاينة المسيحيين» فإنها تدعم حركة قرنق علنا من منظور انها حركة مسيحية تقاتل طرفا اسلاميا عربيا. ان لكل من اللوبي النفطي واللوبي المسيحي ـ اليهودي نفوذا داخل الادارة الاميركية مما جعل من المحتم ان يكون توجه السياسة الاميركية الرسمية تجاه السودان مزيجا توفيقيا بين الاجندة المتضاربة لكل من «اللوبيين». نستشف شيئا من هذا في تقرير دانفورث. ففي معرض سرده لاتصالاته مع الاطراف المختلفة المهتمة بأمر السودان ـ سودانية وأميركية واقليمية ودولية ـ يقول: «وتحدثت ايضا مع المجموعات الناشطة حول قضايا السودان في الكونغرس حيث كانت هناك خلافات حول كيفية مساهمة الولايات المتحدة لاحلال السلام في السودان». هذه «الخلافات» تضعف بالطبع من الدور الاميركي في قضية السودان.. ومن قوة انطلاقه ونستطيع ان نتصور ان الوسيط الاميركي يتوقف في سياق اتصالاته المتشابكة مرة بعد اخرى ليسأل نفسه عند كل خطوة حتى لو كانت شكلية: هل هذه الخطوة تغضب اللوبي النفطي أم تغضب اللوبي المسيحي اليهودي؟ هذا الاقتراب البالغ الحذر من المشكلة هو الذي يطغى على مهمة دانفورث (وينعكس في كل فقرة من تقريره) مما يفسر لنا لماذا حرص على عدم الدخول مباشرة في لب القضية ـ الحرب في جنوب السودان ـ مؤثرا أولا معالجة مسائل ثانوية كتوصيل الاغاثة الى تجمعات اللاجئين في مناطق القتال ووقف اطلاق النار في منطقة جبال النوبة.. وليس في الجنوب ـ المسرح الرئيس والاساس للحرب. ولتبرير هذا النهج الحذر يطلق دانفورث على اجراءاتها الفنية الثانوية عبارة «اختبارات» ـ أي اختبار جدية طرفي الحرب في وقفها قبل معالجة لب المشكلة على الصعيد السياسي الصرف. لكن الحذر يطغى على مهمة دانفورث الى درجة انه يهبط بها من مستوى «دور» او «مبادرة» الى مستوى «نصح». وللحديث صلة.