قد يكون مفهوما أن يقف سياسي من دولة صغيرة موقفا يتعارض مع قناعته عند تعامله مع القوى الكبرى في المحافل الدولية، يبدو ليناً في موقف يتطلب إبداء الصلابة، لأنه يعرف أن من واجبه المطالبة بحقوق في عالم تسيطر عليه القوة الغاشمة التي تملك في النهاية وضع الحلول التي لا تتفق في الكثير منها مع «الشرعية الدولية» ولا تحترم حتى قوانين الطبيعة، لكن قد لا يكون مفهوما أن يحاول سياسي ينتمي إلى دولة كبرى مؤثرة في سياسات العالم أن يقول ما يتناقض مع حقيقة مشاعره لمجرد تمرير قرار يتناقض مع مصالح الآخرين ولتحقيق مصلحة خاصة به. نظرا لوجود هذه المواقف الغريبة والمتناقضة فإن بعض وسائل الإعلام في الدول التي تملك «بعض» الحرية في التعبير قررت استغلال هذا الهامش الصغير من الحرية في اللعب على التناقضات من خلال «مداعبة» هؤلاء السياسيين أيا كانت انتماءاتهم، فتكشف في لحظات «غفلة» بعض ما لا يستطيعون إخفاءه في لحظة ما، وان كان الكثير من وسائل الإعلام يفعل هذا لا بقصد إحراج السياسي ولكن هدفها البحث عن «المتبلات» التي يمكن أن تجذب الجمهور. حدث هذا خلال الحملة الانتخابية الأميركية التي جاءت برونالد ريجان إلى رئاسة أكبر دولة في العالم، واستمرت معه بعد ذلك لأنه كان منجما حقيقيا لبرامج من نوع «الكاميرا الخفية»، فقد كان كما هو معروف عنه مصابا بفقدان الذاكرة، وفي كثير من الأحيان كان يخطئ حتى في قراءة ما يكتبه له مستشاروه. ثم برزت هذه النوعية خلال الحملة الانتخابية التي جاءت بجورج بوش الابن المعروف بماضيه «غير» النقي، وكادت تؤدي أحاديثه «غير المقصودة» إلى كوارث انتخابية بالنسبة لحملته، بل أن بعض المراقبين أعربوا عن اعتقادهم أن تلك الهفوات كانت وراء وقوفه على حافة الهزيمة أمام منافسه الديمقراطي «آل جور». وان كانت وسائل الإعلام تتجه -في رأينا- إلى مثل هذه النوعية من التغطية الإخبارية عندما يكون كل شيء مكشوفا ومعروفا مسبقا بالنسبة لأي حدث إخباري هام، وهذه النوعية من التغطية صاحبت «القمة الأوروبية-الأميركية اللاتينية» الثانية التي عقدت الأسبوع الماضي في العاصمة الإسبانية مدريد، فقد كان معروفا مسبقا أن تلك القمة تسعى إلى هدفين متناقضين، بل ومتعارضين تماما، وان الاتفاق حول النقاط المطروحة بين الجانبين سيكون معجزة. فيما كانت اوروبا، وبشكل خاص رئيس دورتها الحالية خوسيه ماريا أزنار رئيس وزراء إسبانيا، يسعون إلى فرض رؤية «الإرهاب» باعتباره المشكلة الرئيسية في العالم، وعلى دول أميركا اللاتينية أن توقع على اتفاقيات تضع الأولوية لهذه المشكلة قبل أي شيء حتى تحصل على أي مساعدات مالية تخرجها من أزماتها المستحكمة، في مقابل رؤية متناقضة تماما من جانب دول أميركا اللاتينية التي ترى أن الفقر والأزمات المالية التي تعيشها شعوبها هو الأهم، لأن ترك الشعوب في حالة من التخلف والفقر يدفعها إلى ارتكاب أعمال «عنف»، لأن العنف هو المتنفس الوحيد لأي فرد أو جماعة عند فقدان الأمل في حياة أفضل. كانت مواقع كل طرف معروفة قبل عقد القمة بأسابيع طويلة، لأن الأحاديث الصحافية التي أدلى بها معظم «زعماء» هذه القمة قبل حضورهم إلى العاصمة الإسبانية كانت تؤكد على هذا التعارض، بل أن ما حدث خلال الانقلاب العسكري-المدني الفاشل في فنزويلا ضد الرئيس المنتخب «ديمقراطيا» هوجو شافيز، ومواقف بعض الحكومات والأحزاب الأوروبية «الديمقراطية» ألقت مزيدا من الزيت على الوقود على النار المشتعلة أصلا بين الجانبين. من هنا كان تركيز الكثير من وسائل الإعلام على استخدام تقنية «الكاميرا الخفية» لالتقاط ما كان يحاول زعماء هذه القمة إخفاءه عن المراقبين ووسائل الإعلام. ونجح البعض في تقديم لقطات نادرة، منها انشغال بعض «زعماء أوروبا» خلال الجلسات الرسمية بأشياء على موائدهم أقرب إلى انشغال الأطفال بمداعبة بعضهم البعض خلال حفل مدرسي يحاول فيه ناظر المدرسة أن يلقي توجيهات لا تجد قبولا عند هؤلاء الأطفال. كان هذا واضحا خلال الكلمة التي ألقاها الرئيس البرازيلي فرناندو انريكي كاردوسو، باعتباره المتحدث باسم أميركا اللاتينية، في الوقت الذي أعلن فيه أن على أوروبا أن تتوقف عن استخدام «الارهاب» كمشكلة رئيسية تكاد تطغى على لغة في تعاملها مع دول أميركا اللاتينية، وأن تحاول تفهم أن تلك المشكلة نابعة أصلا من «القنوط» والإحباط الذي يسيطر على معظم شعوب العالم المتخلف، وأشار إلى انه يجب العمل على التخفيف من معاناة تلك الشعوب ومن بينها شعوب أميركا اللاتينية حتى يمكن القضاء على المناخ الذي يدفع البعض إلى ممارسة العنف للحصول على حقوقه الطبيعية. خلال تلك الكلمة انتقلت كاميرات تليفزيونية إلى وجوه بعض الحاضرين من الجانب الأوروبي، أمكن قراءة ما يفكر فيه أصحاب هذه الوجوه. القراءة الأولى تؤكد أن معظم زعماء أوروبا فوجئوا بمثل هذا الخطاب الذي يكشف علنا الخلاف في المواقف المسيطر على هذه القمة، على الرغم من معرفتهم المسبقة لموقف دول أميركا اللاتينية، ولكن يبدو أنهم انتظروا أن يتم إعلان هذا الموقف خلال الجلسات المغلقة وليس في الجلسة العلنية المذاعة على الهواء مباشرة. كان وجه خوسيه ماريا أزنار رئيس وزراء إسبانيا ورئيس الدورة الحالية للمجلس الأوروبي معبرا جدا عن استياء واضح، يرى المراقبون أنه موقف طبيعي من جانبه، أولا لأنه من الشخصيات السياسية التي لا تقبل كشف الخلاف في الرأي علنا، وثانيا لأنه كان يريد أن يبدو أمام زعماء أوروبا زعيما لدول أميركا اللاتينية أيضا، باعتبار أن الرابطة التاريخية ورابطة اللغة مع دول أميركا اللاتينية أقوى من غيرها مع أطراف أخرى، وأيضا مثل هذه التصريحات ستفقده الكثير داخليا، لأنها تكشف عن محدودية تأثيره في منطقة النفوذ التقليدي لبلاده. لكن لقطات «الكاميرا الخفية» الأكثر مباغتة كانت تلك اللقطة المطولة التي كان بطلها الرئيس المكسيكي «فيثنتي فوكس»، فقد ضبطته الكاميرا في لحظة مصارحة مع الرئيس البرازيلي انريكي كاردوسو، وهي مصارحة عكست تفكيرا متناقضا تماما مع مواقفه المعلنة، ليس تجاه أوروبا بل وتجاه سياسة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية. معروف عن فيثنتي فوكس إعجابه الشديد «علنا» بالولايات المتحدة، وإعلانه الدائم عن العلاقات القوية التي تربطه بالرئيس جورج بوش الابن، والتي وصلت إلى حد إغضاب الرئيس الكوبي فيدل كاسترو خلال قمة المكسيك حول الفقر في العالم التي جرت قبل أسابيع قليلة من قمة مدريد إرضاء لصديقه جورج بوش، وإعلانه الدائم في كل تصريحاته عن إعجابه بإسبانيا وأوروبا واتخاذها مثالا يحتذى. لكن لقطات «الكاميرا الخفية» كشفت عن زيف هذه المواقف المعلنة للرئيس المكسيكي، فقد ضبطته الكاميرا، صوتا وصورة، وهو ينظر من حوله إلى مقر المؤتمر في مدريد، وهو مبنى فاخر يقع في وسط مجموعة من المباني التي أقامتها إسبانيا حديثا لتكون مقرا للمؤتمرات الكبرى والمعارض الدولية، وتم تجهيزها بأحدث وسائل التقنية الصوتية والضوئية، وقال لزميله البرازيلي أنه لولا «أموال ومساعدات أوروبا ما كان لإسبانيا أن تبني مثل هذه الفخامة»، «انظر من حولك وتذكر ما تعرفه عن إسبانيا حتى السبعينيات، ستجد أنها انتقلت من دولة متخلفة أكثر فقرا من العديد من دول أميركا اللاتينية، وإذا بها اليوم، بفضل المساعدات الأوروبية، تقف في الصف الأول من دول العالم المتقدمة». لم يكن رد الرئيس البرازيلي انريكي كاردوسو، في الحوار الذي كانت تسجله الكاميرا الخفية، بعيدا عن رأي محاوره الرئيس المكسيكي، لكن الحوار بينهما لم يتوقف عند إبداء رأيهما في الإعجاب بالمبنى، وما حققته إسبانيا من خلال المساعدات المالية التي حصلت عليها من الدول الأوروبية بعد انضمامها إلى السوق الأوروبية المشتركة والاتحاد الاوروبي، بل امتد إلى إعلان وجهة نظرهما تجاه سياسة الولايات المتحدة تجاه دول أميركا اللاتينية التي ترتبط بها أكثر من ارتباط إسبانيا بأوروبا. قال الرئيس البرازيلي «من المؤسف أن هذا لا يحدث في دول أميركا اللاتينية، فالولايات المتحدة بدلا من مساعدتها على التقدم كما حدث من جانب الدول الأوروبية مع إسبانيا، نجد أن السياسة الأميركية تهتم فقط بما تحققه من مصالح خاصة بها دون أن يخطر على بال صانعي سياستها أن تكون المصالح متبادلة أيضا، وأنه يمكن أن يزداد الارتباط بها لو فعلت ما فعلته أوروبا مع إسبانيا» (!). لم يكن رد الرئيس المكسيكي فيثنتي فوكس مجرد الموافقة على كلام الرئيس البرازيلي، بل بدا على وجهه تعبير الغضب، وكأنه وجد الفرصة ليعلن ما يفكر فيه صراحة تجاه الولايات المتحدة من رؤية سلبية على الرغم من الإعلان الدائم عن إعجابه بالولايات المتحدة الأميركية وسياستها تجاه بلاده، وإذا به يكشف عن زيف إعجابه هذا. مطالعة اللقطات التي تنقلها «الكاميرات الخفية» من مثل هذه اللقاءات مطلوبة لأنها تكشف حقيقة ما يجري في قمم يتم الإعلان عنها ويصدعون أدمغة الشعوب بالحديث عن القرارات «الإيجابية» التي أمكن التوصل إليها، والمطالبة باستمرارها بينما هي في الحقيقة تنعقد وتنتهي في ظل «طرف قوي» يريد استغلال الطرف الآخر الضعيف لتمرير سياسته التي تخدم مصالحه الخاصة بغض النظر عن مصالح الطرف الآخر. في الحقيقة، إن لقطات «الكاميرا الخفية» في مثل هذه اللقاءات هي الحدث الاهم، ويجب على وسائل الإعلام أن تقدم لقطاتها باعتبارها المتابعة الحقيقية للحدث، وأن أي حدث يمكن تغطيته من خلالها، واعتبار أن ما يقال أمام الكاميرات العلنية وفي المؤتمرات الصحافية العامة هو الحدث الجانبي، أو التغطية الأقل أهمية. ـ كاتب مصري مقيم في اسبانيا