يفترض ان تكون بريطانيا من دون الدول الاوروبية الاخرى متميزة ـ لانها الوحيدة ـ التي كانت لاتغيب عنها الشمس، وبما ان الامور لا تمضي كذلك دائما ، فان بعض المخضرمين من اهل بريطانيا يخشون ان تصبح بريطانيا جزيرة اصغر من اصغر جزيرة كانت تحت سيطرتها في يوم ما، وذلك وفق رأي ذلك الحكيم لتذبذب سياساتها التي توصم اليوم بالتبعية لاميركا وخاصة في عهد بلير. بريطانيا اليوم لا تمثل دور القائد لاوروبا لانها تخضع بين حين وآخر للتوجهات الاميركية في القارة وخارجها، وعلى هذا الاساس تقوم نظرة الدول الاوروبية اليها من باب ان التقليد بدأ يغلب على الاداء السياسي البريطاني بدل الاجتهاد في اطار المنظومة الاوروبية التي تسعى ان تحل محل الدب الروسي الذي انهار وسقط من الاعلى بسرعة السهم المنطلق. بريطانيا لاتساعد الاتحاد الاوروبي والمرتقب ان تكون ولايات اوروبية متحدة في ظرف لايزيد على عقد من الان وفق التوقعات فهي لم تدخل الى سلة العملة الاوروبية الجديدة ألا وهي اليورو التي تواصل صعودها مقابل الدولار في الآونة الاخيرة. فالعلاقة البريطانية الاميركية تدور مباشرة بين الطرفين دون المرور على الاطراف الاوروبية للتشاور المبدئي حول اي قضية سياسية كانت او غيرها، مراعاة للمصلحة الاوروبية العامة بهذا الخصوص، فالطريق البريطاني الى واشنطن صار اقصر من الطرق الاخرى التي توصل ويجب ان تتواصل مع الاتحاد الاوروبي الذي سوف يضم بعد سنوات قليلة تحت مظلة واحدة اكثر من 25 دولة اوروبية تشمل الشرق والغرب معا وفي بوتقة واحدة. لانشك ان بريطانيا تمثل ثقلا لايمكن تجاهله ابدا الا انها ينبغي ان تكون اكبر في مسئوليتها من الآخرين وحتى عن المانيا الموحدة فهي في هذه الاونة على وشك ان تأخذ زمام المبادرة الاولى في تيار الوحدة بكل صورها. لذا فقيام بريطانيا بتقليد اميركا لايجاد نسخة من جهاز «اف بي اي» على غرار ماهو معروف هناك من اجل الوصول الى ملاحقة العصابات الاجرامية التي تغرق بريطانيا بالمخدرات والمهاجرين غير الشرعيين على الطريقة الاميركية، مع وجود الكثير من الاخفاقات العملية في هذا الاطار بعد الحملة الشرسة على الارهاب في كل انحاء العالم، وهذا امر ثبت من قبل اهل الدار الاميركية قبل ان نخوض نحن في تفاصيل ذلك حفاظا على مبدأ ان اهل الشأن ادرى بشئونهم الداخلية. وبريطانيا من حقها ان تنشيء ما تراه مناسبا للحفاظ على «الأمن» في مجتمعها الداخلي والخارجي الا انها كانت افضل صورة فيما لو فكرت في عدم استنساخ ذات الجهاز الاميركي بكل ما فيه من مثالب ظهرت للجميع في عز الازمة الراهنة والمستمرة. اذا ذكرنا سابقا، ان اميركا طغى عليها الجانب الامني في حالة اقرب الى الحمى الساخنة، فان بريطانيا لم تصل في معاناتها الى هذه الدرجة حتى في اوج صراعها مع الجيش الجمهوري فلم تفكر بهذا الاسلوب الاميركي للعمل البريطاني. فالحفاظ على الطبيعة التعددية للاداء الوظيفي في المجتمعات اهم ما يميزها فيما بينها، اما ان تحاول بريطانيا وغيرها من الدول تكرار التجارب التي بدأت تعلن جزئيا الافلاس في الوصول الى الهدف الاكبر من انشائها فهذا نوع من الافلاس في ابداع الافكار الجديدة لاحياء المجتمعات التي تريد ان تعيش مزيدا في كل اجهزتها التي تمارس ادوارا امنية استراتيجية سواء في الشأن المحلي الداخلي او الشأن العالمي، فالآخرون ينظرون الى اوروبا وامريكا كنماذج للاقتداء بهما من خلال تواجد المؤسسات الامنية او غيرها على رأس سلم الاولويات او الهاجس الذي يشغل اي مجتمع عن التفكير في الجديد بدل البحث في الاوراق القديمة للمجتمعات وان كانت من خلال اميركا.