غريب امر بعض الكتاب والصحفيين والفنانين الاميركيين الذين يتخلون فجأة عن قيم الحرية ويدوسونها بأحذية «الكاوبوي» الثقيلة، عندما تضعهم الحرية في مواجهة مع الحقيقة، ويتحولون الى لعب دور القرصان او قاطع الطريق، ويتماهون في شخصية الارهابي على صعيده الثقافي، غارقين في وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، ولا يسمعون سوى صدى نعيقهم في اكبر ملهاة لتضليل الذات قبل الآخر. واغرب من هذا تفاني بعض هؤلاء في اداء دور جوقة الدفاع والترويج لاساطير اسرائيل الصهيونية، وتبديد فرص نادرة تتاح لهم للخروج من كهف الوهم، الى افق الحقيقة. من هؤلاء الكتاب الاميركيين القابعين في كهف الوهم والاسطورة الصهيونية توماس فريدمان احد اهم كتاب الاعمدة في صحيفة نيويورك تايمز، وصاحب الرسائل المفخخة بالمزاعم والافتراءات للقادة العرب، و«المدفعجي» الاول في كتيبة تشويه صورة العرب والمسلمين في الاعلام الاميركي، قبل وبعد هجمات 11 سبتمبر. فلقد دعي فريدمان للسعودية واتيح له لقاء القيادة والنخب الثقافية والاعلامية وبدلا من أن ينتهز الفرصة للمعرفة واكتشاف الوجه الآخر المحجوب عنه، لقضية العرب والتعرف على الرأي الآخر، والدخول في حوار تفاعلي يحدد نقاط الخلاف الحقيقية، وتمييزها عن اخرى مصطنعة سواء كانت ناجمة عن غياب معرفي، او سطوة صور نمطية شائعة، بدلا من بذل هذا الجهد الواجب، قام فريدمان بحركة مسرحية لارهاب الصحفيين السعوديين، واصطنع الانسحاب من جلسة حوار استضافته صحيفة «المدينة» عندما تعرض شاعر سعودي بالنقد لتغطية الصحف الأميركية لوقائع الصراع العربي الاسرائيلي. ويبدو ان فريدمان استوطنته نزعة «التدلل» التي تنتاب الاطفال في مرحلة النمو الاولى فكرر حركته المسرحية خلال مشاركته في منتدى دبي الاعلامي الدولي، الا ان نزقه بلغ مداه في جاكرتا التي زارها الشهر الحالي، عندما شاهد لافتات الدعوة للجهاد لدعم الشعب الفلسطيني تغطي جدران الشوارع، واخرى تؤكد ان الجهاد هو الطريق لتحرير القدس من دنس الصهاينة. وسمع فريدمان من كتاب صحفيين واعلاميين اندونيسيين واسيويين انتقادات حادة للاعلام الاميركي المنحاز للاوهام وللاساطير الاسرائيلية الصهيونية، وامطره محاوروه بوابل من الانتقادات للطريقة التي تغطي بها شبكات التلفزيون والصحف الأميركية احداث العالم الاسلامي، ودعموا انتقاداتهم بتقارير ترصد التشويه المتعمد للحقيقة، وتحدد حالات التزييف واخفاء الحقائق، سواء بهدف تجميل وجه ارهاب الدولة الاسرائيلي ومجازره ضد الشعب الفلسطيني، او بهدف دمغ المسلمين بتهمة الارهاب. ولم ينصت فريدمان لما سمع، ولم يتحرك الجزء الواعي في خلفية دماغه بل انصاع لنزقه ولرؤيته المسبقة، وعاد ليشحن عموده الاسبوعي بأكاذيب ومزاعم تهزأ من مسلمى اندونيسيا الذين صدقوا ـ على حد قوله ـ شائعة ضلوع الاسرائيليين في مؤامرة هجمات 11 سبتمبر الارهابية، واعتبروها حقيقة لمجرد ان مصدرها احد مواقع «الانترنت». ووصل فريدمان لمستوى وصف «الانترنت» بأنه «مزبلة» وهو وصف لا يليق، لان الانترنت طريق سريع وعابر للحدود للمعلومات، ومثل اي طريق فيه الصالح والطالح، ووجود بعض المواقع السيئة على الانترنت لايعني انه «مزبلة»! وعلى شاكلة فريدمان، حرض نجم السينما الاميركية جون مالكوفيتش على اغتيال الكاتب الصحفي البريطاني روبرت فيسك، لا لشيء سوى التزام فيسك بمعايير النزاهة الصحفية والموضوعية، وفضحه على صفحات «الاندبندنت» البريطانية جرائم اسرائيل ومجازرها ضد الشعب الفلسطيني. ولم يفعل فيسك ردا على تهديدات نجم سينما الرعب الاميركية سوى ان تساءل عن سر رغبته في قتله بالرصاص، وكشف عن حملة صهيونية واسعة تطارده برسائل التهديد والسب والتشهير عبر «الانترنت». لكن فيسك الصحفي الحقيقي الذي تفتخر به المهنة، لم يهزأ من «الانترنت» ولم يصفه مثل فريدمان بـ «المزبلة». ألا يستحق فيسك ان يبادر الصحفيون العرب بابلاغه بكلمات بسيطة انه يستحق التقدير وغيره من الغارقين في الوهم الصهيوني لا مكان لهم سوى «المزبلة».