لا أدري هل مررت بهذه اللحظة من قبل؟ عندما تحس أنك لم تطل على الماضي فحسب، بل عشت فيه. عشت الى الدرجة التي نسيت الحاضر لصالح الماضي. هذه اللحظة الغريبة المرهفة عشتها مرات. وفي كل مرة أخرج منها متعبا مكدودا، فأنا لست أنا. لم أعد أنتمي الى الحاضر، وليس بامكاني أن أنتمي الى الماضي. ربما كانت التجربة أشبه بأن تعيش في أحداث فيلم سينمائي حتى تنسى أنه فيلم، وكأنك أحد أبطاله. وعلى قدر قسوة اللحظة على قوة متعتها تخرج منها منهكا كأنك استمتعت الى حد الانهيار. هذا بالضبط ما حدث لي في النصف الأول من هذا الشهر عندما دخلت الى فندق أنديس في مدينة لاهاي الهولندية المشهورة لدينا جميعا بأن فيها محكمة العدل الدولية. وكنت قد دخلت لأنه كانت تعمل فيه ماتا هاري أشهر جاسوسة في التاريخ. وكان بيتها قريبا من الفندق. وطلبت شايا من «الجرسون» الذي بدا لي غريبا، وأتى لي بشئ آخر. وبعدها قلت له: يبدو أنك لست هولنديا!؟ وأبدى استياءه الشديد من تكهني، واعتبر أن توقعي أن يكون هولنديا اهانة من الممكن غفرانها لجهلي به. وقال لي: أنا فرنسي يا سيدي، وكان عليك أن تعرف ذلك. أنا لي شخصية، أما الهولنديون فليس لهم شخصية. ولقد فتح لي هذا باب الحوار مع الرجل فسألته عن ماتا هاري قال لي ساخرا: بالطبع لم أكن موجودا أنئذ! الرجل في الأربعين أو حولها وماتا هاري أعدمت منذ ستين عاما. ثم قال لي: - أنت تعرف بالطبع أن ماتا هاري كانت فرنسية! واستنكرت هذا الكلام وقلت له ان ما أعرفه أنها هولندية وأنا أعرف هولندا بعدة أشياء منها فان جوخ والهولندي الطائر وطواحين الهواء وماتا هاري. فكيف لا تكون ماتا هاري هولندية! ولكن الفرنسيين مثل غيرهم من شعوب العالم يحبون نسبة المشاهير اليهم حتى ولو كانت جاسوسة فرنسية. ولكن حديث «الجرسون» الفرنسي في الفندق الهولندي لم يكن بعيدا عن الصحة كثيرا، فلقد عرفت ماتا هاري في فرنسا عندما رفعت هناك، وحصلت على الشهرة، وكان مركز نشاطها السري في باريس. وفي نهاية أيامها كانت قد تركت فرنسا لتذهب الى المانيا الدولة التي تجسست لها. وأوقفوها في انجلترا لشكوك عامة، ولما لم يستطيعوا توجيه اتهام لها تركوها ونصحها البعض ألا تعود الى فرنسا، حتى لا تتهم هناك ولكنها عادت واتهمت ودافعت عن نفسها بأنها ليست فرنسية. ولقد تساءلت طويلا عما يدفع الانسان الى التجسس حتى قبل هذه الجلسة الربيعية (فالربيع في هولندا في مايو) في فندق أنديس، وعجزت عن الاجابة عن هذا السؤال. والاجابة التي تقفز بمجرد القاء السؤال هي: المال! ومن المدهش أن هذا ليس صحيحا، فمن النادر أن يتقاضى الجاسوس مبالغ مالية كبيرة لقاء عمله. وبعض أجهزة التخابر تقوم بتدبير أعمال مربحة لجواسيسها، فيبدو أنهم يتقاضون أجورا كبيرة، لكن هذا في الحقيقة نتيجة جهودهم بعد حصولهم على رأسمال. وفي النهاية قلت لنفسي أن الجاسوسية لعبة من ألعاب الذكاء وألعاب الذكاء موجودة في المحلات ولذلك فالجاسوسية أخطرها، ومن هنا كانت متعتها كبيرة، وبعض الجواسيس الذين أمنوا لسنوات طويلة أصابهم القرف من أجهزة المخابرات التي تطاردهم. فاللاعب يريد الانتصار على منافسيه، لكنه يكره ضعف منافسيه. وفي أكثر من حالة كان الجاسوس يبدي سخريته من تأخر القبض عليه. ولم يكن في ماتا هاري ما يغري بالجاسوسية. فلقد كانت جميلة الى حد مذهل ليس ذلك الجمال الذي يصلح لصورة فوتوغرافية، فلقد كان البعض لا يرون أنها بهذا القدر من الجمال، لكنه الجمال الذي ينشب أظافره في قلوب الرجال فلا يستطيعون الفكاك منها. ولو أننا حاولنا حصر عدد الرجال الذين تدلهوا في حب ماتا هاري لاستغرق ذلك وقتا طويلا ولكننا ننتقي منهم جورج ليمزورييه وهو فنان تشكيلي تعرف عليها في أواخر عام 1910 في حانة في باريس حيث كانت ترقص رقصتها الشهيرة: إذ تظهر على المسرح تحيطها أفعى. وترقص لتخلص نفسها منها فوقع في غرامها فورا. مئات الكتاب كتبوا أن ماتا هاري كانت هي الأفعى. ومن الطريف أنها كانت معروفة معظم حياتها باسم ليان مونريل. ولكن هذا الاسم نسي الآن وأصبح اسم ماتا هاري ماركة مسجلة للجاسوسية. لقد تقاضت ماتا هاري مبالغ كبيرة لقاء عملها مع الألمان، لكن هل كان المال هو هدفها؟ بعض الكتاب حاولوا تفسير دوافعها. قالوا انها كانت ابنة هولندي وأنها بدأت حياتها راهبة، وكانت صبية عندما خدعها قسيس فرنسي وأدخلها عالم الخطيئة وردت له الجميل عندما جرته معها الى قضيتها، فلقد كان المصدر الرئيسي لها في المعلومات فلقد تحول الى أحد الذين يديرون المخابرات. ودمرته ماتا هاري بقدر ما دمرها وأكثر. وأحب جورج الراقصة الغامضة الى حد أنه عرض عليها الزواج. لكنها سخرت من الفكرة: ماذا تعرف عني؟ وفيما بعد أدرك جورج أنه لا يعرف شيئا عنها. ولقد تركته واختفت من باريس. لتعود فيما بعد راقصة في الفولي برجير. وكان جورج قد انخرط في الجيش على كبر سنه، والتقى بها لأيام. وفي الملهى أحس أن هناك نظرات بينها وبين أحد الرجال. وذهبت وهو متأكد أن بينهما شيئا. لكنها مرت به دون أن تلتفت اليه وسقط قفازها وأسرع الرجل يلتقطه ويقدمه لها لكنها كانت قد ابتعدت وانتظر الرجل حتى عادت وقدم لها القفاز. وشكرته بلا اهتمام وعادت الى جورج الذي أحس بالراحة لأنه أدرك ألا شئ بينهما. لكن عندما اتهمت ماتا هاري بالجاسوسية، وكان هو آخر من يعرف، تذكر هذا الموقف وأدرك أن القفاز كان وسيلة تسليم معلومات. ولقد حاول الانجليز اثبات التهمة عليها عبثا، وتم التحقيق معها في اسكتلنديارد يوم كان هذا الاسم يثير الرعب حتى في سكان آلاسكا! ومع ذلك لم يهتز لها جفن! ومن المدهش أن الجفن هو الذي أثار الشكوك حولها، فقد لاحظ أكثر من واحد أن لها جفناً يسترخي بطريقة خاصة، ولذلك ثبت أنها نفس المرأة رغم أنها غيرت من اسمها وجواز سفرها. عادت ماتا هاري الى فرنسا رغم التحذيرات. كانت ثقتها بنفسها قد بلغت القمة. كانت على يقين من أنها تستطيع أن تنجو من أي فخ، وأنه لا يوجد جهاز المخابرات الذي يستطيع أن يثبت عليها تهمة. بالتأكيد كانت قد أعجبتها براعتها في لعبة الذكاء، وقد حققت الفوز بعد الآخر. وأخيرا قبض على ماتا هاري. لكن هذا لم يضعفها. واجهت المحكمة ودافعت عن نفسها، فلقد سمح لها محاميها العجوز بذلك، وكان - كغيره - قد تدله في حبها. ورغم أن المحكمة حكمت عليها بالاعدام، إلا أنها لم تصدق أن الحكم سينفذ. وكانت فرنسا من البلاد القليلة التي تعدم النساء. وكان حبيبها القديم جورج الذي ذكرناه في البداية لا يعرف أن ماتا هاري قبض عليها. وكان قد أصيب في الحرب، فأصبح رساما للجيش يقوم بأعمال دعاية للحلفاء، وتخيل أحد الجنرالات أن جورج يستطيع أن يرسم ماتا هاري بشكل يدعو فيه للحلفاء. ولذلك أخذوه الى السجن دون أن يعرف من سيرسم. فلما رأته أمامها ظنت أنه فارسها الذي اخترق جدران السجن لينقذها، إذ لم تتخيل أبدا أن يتركها الرجل لتموت. وحاول جورج أن يوضح لها أنه جاء بدافع مهني عسكري هو أن يرسمها. ولسوء الحظ أنها كانت اللحظة التي تؤخذ فيها الى الاعدام، وحاول محاميها العاشق أن يؤجل التنفيذ لأسباب قانونية لكن مدير السجن رفض. ولقد اتهم مدير السجن فيما بعد أنه كان عشيقها. في الحقيقة اتهم كل من اقترب منها بهذا الاتهام، ومعظمهم كان في غاية السعادة لهذا الاتهام. وطلبوا منها أن ترتدي ملابسها، لكنها اكتفت رغم برودة الجو بارتداء بالطو من الفراء، دون أن يكون تحته شئ. وطلب الضابط من جنوده الاستعداد لاطلاق الرصاص، وعندئذ صرخ الضابط يطلب اطلاق الرصاص. وسقطت ماتا هاري أشهر جاسوسة في التاريخ. وعرض مدير السجن تسليم جثتها لمن يطلبها. لكن لم يتقدم لذلك محاميها العاشق ولا جورج حبيبها القديم، ولا الألمان الذين عملت لصالحهم، ولا الجمهور الذي أحب رقصها، ولا ابنتها أوردو التي كانت تعيش في دير في هولندا، ولا الرجال الذين كانوا على استعداد للتضحية بأي شئ من أجلها. وظلت الجثة ملقاة فترة طويلة. ما أثقل الماضي في بعض الأحيان.