يمكن فهم قمة شرم الشيخ التي عقدت في الأيام الماضية على أنها أحدث محاولة عربية رسمية لوقف التدهور المريع في أوضاع المنطقة. لكن هذه القمة، وبصرف النظر عما تمخض عنها ليس مرجحا مع ذلك أن تسهم في وقف هذا التدهور. بل ان مصيرها لن يكون بأفضل من محاولات سابقة كان آخرها القمة العربية في بيروت في مارس الماضي. لماذا؟ لان إسرائيل تضع المسألة بالصورة التالية: هي تريد وقفا كاملا لأعمال المقاومة الفلسطينية وهدوءاً تاما يسود مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، كي تنظر بعد ذلك في استئناف مفاوضات السلام ومنح الفلسطينيين دولة لا أحد يعرف حتى الآن شكلها أو حجمها أو ماهيتها. والمشكلة الأخرى أن إسرائيل في الوقت الذي تطرح فيه شروطها فإنها لا تقدم ما يشير إلى نواياها النهائية تجاه المناطق الفلسطينية. فهي تريد الأمن لكنها لا تقدم السلام. وإذا رفض الفلسطينيون مطالبها هددتهم بمواجهة آلتها العسكرية الجهنمية كما حصل في الأسابيع الماضية في الضفة الغربية . فهل يمكن قبول مثل هذا الوضع؟ وهل تستطيع الدول العربية أن تتصرف نيابة عن الفلسطينيين أو تطلب منهم وقف المقاومة من أجل شروط إسرائيلية هلامية وغير مضمونة؟ العقدة المستعصية هنا تكمن المشكلة الحقيقية. وتجاه هذه المشكلة لا تنفع القمم العربية أو الاجتماعات الكثيرة بين الزعماء العرب، لأنهم ببساطة لا يملكون أن يجبروا إسرائيل على النزول عند المطالب العادلة للشعب الفلسطيني أو الرضوخ للقرارات الدولية الخاصة بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي. كما أنهم لا يستطيعون أن يعدوا الفلسطينيين بأشياء لا يملكونها ولا يضمنونها. لذلك رأيناهم يتوجهون إلى الولايات المتحدة باعتبارها الطرف الوحيد القادر على الضغط على حكومة شارون وعلى أي حكومة إسرائيلية. لكن الولايات المتحدة ليست في مزاج اليوم، وقد لا تكون في أي وقت من الأوقات المقبلة في مزاج يسمح لها بفرض حل على إسرائيل، يجبرها على الانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. وحتى إذا قررت واشنطن التدخل بصورة ما في الأزمة، فإنها ستطلب دون شك من الحكومات العربية تنفيذ بعض المطالب التي ترى أنها تساعد على نجاح مثل هذا التدخل من وجهة نظرها على الأقل، وعلى رأسها وقف المقاومة الفلسطينية. ومرة أخرى فإن الحكومات العربية ستجد نفسها غير قادرة على تنفيذ هذه المطالب لأنها ببساطة لا تملك أن تقدم للفلسطينيين بديلا يدعوهم للموافقة على التخلي عن حقهم الطبيعي في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. مشكلة جوهرية فما العمل؟ ثمة خطأ أو مشكلة جوهرية في المعادلة المطروحة حاليا. وأعتقد أن مكمن هذا الخطأ يأتي من وضع الحكومات العربية نفسها في موضع الوسيط بين الفلسطينيين وإسرائيل، في وقت يفترض فيه أن تكون هي والطرف الفلسطيني في جانب وإسرائيل في جانب آخر. والوسيط كي ينجح في مهمته لا بد أن يملك بعض الصلاحيات و أوراق القوة كي يقدمها لمن يسعى للتوسط بينهم. لا يمكن للوسيط أن يذهب للتفاوض ويداه خاليتان. فما الذي يمكن أن تقدمه الحكومات العربية في توسطها بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل؟ نفهم أن هذه الحكومات محرجة أمام شعوبها وأمام العالم جراء عجزها المريع عن حماية الفلسطينيين وردع آلة الحرب الإسرائيلية. ونفهم أنها خائفة من امتداد الغضب الشعبي إلى أوضاعها الداخلية المهلهلة وبالتالي تسعى بكل الوسائل لإبعاد شبح هذا الغضب ومنعه من التحول إلى اضطرابات مدمرة. ونفهم أن الحكومات العربية تريد أن يكون لها دور في القضية الفلسطينية يتمم دورها الإقليمي، كي تظهر بعد ذلك في صورة من يستطيع أن يقدم شيئا ذا قيمة، تجيب به على المطالبات المتكررة للولايات المتحدة وغيرها من دول العالم. لكنها في هذه الحالة عليها أن تختار طريقا آخر غير الوساطة بين الفلسطينيين وإسرائيل، وأن تقلع عن استجداء الحلول من واشنطن سيما وهي لا تملك أن تنفذ الشروط الاميركية. عليها أن تحدد إما أنها تستطيع أن تحمي الفلسطينيين وبالتالي تقوم بذلك فعلا، أو أنها لا تستطيع ومن ثم ترفع يدها عنهم وتتركهم يدبرون أنفسهم بالطريقة التي يرونها صحيحة. محاولة اللعب على هذا الخيار مرة وعلى ذاك الخيار مرة أخرى، تسهم في دفع الوضع الإقليمي نحو مزيد من التدهور من ناحية، وتفقد الفلسطينيين القدرة على دفع قضيتهم إلى الأمام من ناحية أخرى. برميل من الفقاعات ربما لاحظ الكثيرون على نحو ما بات شائعا أن عمليات الاجتياح الإسرائيلي لمدن وقرى الضفة الغربية في أواخر شهر مارس الماضي جاءت بالضبط فور انتهاء القمة العربية التي دعت من بين ما دعت إلى تقديم مساعدات مالية للفلسطينيين تقدر بـ 330 مليون دولار وبواقع 55 مليون دولار شهريا، كما عرضت العلاقات الطبيعية والأمن لإسرائيل مقابل الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة والاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين. وأيدت حق الشعوب المشروع في مقاومة الاحتلال الأجنبي وحق الشعب الفلسطيني واللبناني والسوري في مقاومة الاحتلال والعدوان الإسرائيلي باعتبار ذلك حقا تكفله الشرائع والمواثيق الدولية. لكن لا الأموال وصلت إلى الفلسطينيين، ولا إسرائيل قبلت بالمبادرة العربية، ولا احتفظ العرب بما قالوه عن حق الفلسطينيين المشروع في المقاومة. فجميع ما تمخضت عنه القمة ذهب أدراج الريح. والسؤال هو لماذا يعد الإنسان بما لا يستطيع، ولماذا يطلق تصريحات والتزامات هو يعرف قبل غيره أن ليس بمقدوره تنفيذها؟ بعض الحكومات ملكت شيئا من الجرأة وقالت إنها لا تستطيع أن تحارب أو لا تستطيع أن تدفع تكاليف المواجهة، وذهب بعضها إلى حد القول صراحة ان الحل يكمن في طلب المساعدة أو استجدائها. وهذا جيد، فالاعتراف بالحق فضيلة. لكن هذه الجرأة وتلك الصراحة لم تجدا مع ذلك أي ترجمة لهما على أرض الواقع، كما أنهما ضاعتا وسط الصخب الهائل المنطلق من أكثر العواصم العربية. مشكلتنا إذن أننا غير قادرين على مساعدة الفلسطينيين بصورة حقيقية، ودليل ذلك مجازر جنين ورام الله، وفي الوقت نفسه نملأ الجو بالصراخ والشعارات والبيانات الختامية والتصريحات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وبالتوازي مع ذلك تستمر عذابات الفلسطينيين ودموعهم وآلامهم، كما تستمر عمليات مصادرة أراضيهم وتدمير حياتهم على نحو منظم بهدف دفعهم إلى اليأس المفضي إما إلى الهجرة أو الانتحار. يقولون إن الصدق فضيلة وإن الانسجام مع الذات خصلة حميدة .. لكني لم أجد شيئا من ذلك عندنا نحن العرب فالحياة العربية عبارة عن برميل هائل من الفقاعات، كل يغرف منه على قدر حجمه وحجم مغرفته. لكن عجبي أن هناك من يصدق هذه الأكاذيب، ومن بين هؤلاء الفلسطينيون الذين يفترض أنهم يواجهون الحقائق على الأرض وليس في البيانات أو على اللافتات! ـ كاتب من البحرين