بعد انهار الدماء التي عبرت جسر القضية الفلسطينية، خلال اربعة وخمسين عاماً هي عمر النكبة الاولى، من يصدق ان الذين صنعوا الكيان الصهيوني العنصري في فلسطين كانوا حريصين على قيام دولتين عربية وعبرية ما بين مصر والشام؟! أليس اختراع الكيان الصهيوني كان الهدف منه، اقامة سد من الافاعي، والأبالسة يقصم ظهر الوطن العربي، ويسرطن قلب الامة في فلسطين، ويجعل وحدتها سراباً خادعاً واحلام ليلة صيف؟! فمنذ المؤتمر الصهيوني في بازل بسويسرا اواخر القرن التاسع عشر، ووعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو بعد الحرب الكونية الاولى، كان التخطيط محكماً، والاستهداف دقيقاً، كي لا تستعيد الامة العربية امجادها الزاهرة، ودورها المفتاحي في بناء الحضارة الانسانية، فكان لابد من ان تجمع شظايا اليهود من مختلف اصقاع العالم، ويصنع لهم الكيان الذي اقيم عام 1947، فوق ارض فلسطين، بعدما مهدت بريطانيا المنتصرة في الحرب العالمية الثانية الارض لأميركا التي تسلمت ملف فلسطين من «الامبراطورية العجوز» فتحالفت مع «الكيان المصنوع» ورعته حتى اليوم. لقد اكدت الوقائع والاحداث ان تقسيم فلسطين بين العرب واليهود لم يكن في حقيقته سوى لعبة استهدفت تخدير العرب وتهدئة اعصابهم الثائرة حتى يتمكن الكيان الصهيوني في الارض الفلسطينية، ويعمق جذوره، ويبدأ تحركه الشيطاني، الاستيطاني الذي نعاني من جرائمه وشروره طوال عمر النكبة الكارثة. ان الانظمة العربية التي كانت خارجة للتو من سجن الاستعمار على مختلف صنوفه قبيل النكبة عام 1948 لم تستطع امام ضغط الشارع الشعبي، وبدافع من ايمان بعضها القومي الا ان تشارك في مواجهة المشروع الصهيوني، فدخلت بجيوشها السبعة ساحة الحرب، وكانت النتائج المأساوية والهزيمة الفادحة التي حصدناها لأن هذه الجيوش كانت سبعة، وليست جيشاً واحداً!! غير اننا، ونحن اليوم، ننحني بقاماتنا، وهاماتنا اجلالاً واكباراً لأرواح شهداء الخامس عشر من مايو في فلسطين، نتطلع بثقة غير محدودة، وأمل لا يقربه اليأس او الاحباط الى شهداء الانتفاضة الباسلة، وابطالها الذين امتشقوا دماءهم واعمارهم، واكدوا ان الحق العربي في فلسطين غير قابل للتآكل، او الصدأ، او النسيان، وهذا العدو الصهيوني العنصري الذي هو في حقيقته جيش له كيان دولة، وليس دولة لها جيش شأن بقية دول الارض، لا يفهم سوى لغة القوة على مختلف ساحاتها واشكالها، ومساحاتها. ويقيني ان الحضور العالمي، والدور الهائل الذي حققته الانتفاضة الفلسطينية، وانتصار المقاومة الوطنية في لبنان، كل ذلك يتطلب من الامة، قيادات وجماهير، ان تتمسك بسلاحها الافعل، والاقوى، وهو وحدة الموقف العربي، والتضامن القومي باعتباره خشبة الخلاص، والجسر الموصل الى الضفة الاخرى حيث الكرامة، وسيادة القرار العربي، واستعادة كل ذرة من التراب والحقوق في فلسطين والجولان وجنوب لبنان. ولعل زخم الشارع الشعبي العربي، وكثافة الدعم المتعدد الوجوه للانتفاضة الباسلة، يسهم في تصنيع فجر التحرير الذي نؤمن به، ونعمل له، ويستشهد الرجال في سبيله على طريق انتصار المشروع القومي العربي الوحدوي، وامتلاك الامة كلمتها وسيادتها، ودورها الحضاري، والانساني. ـ نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب