لماذا تحشد الولايات المتحدة قوتها الاسطورية ضد دول وشعوب ومنظمات سياسية، لكنها في الوقت نفسه تعزف عن حشد هذه القوة الاسطورية ضد شبكات الجريمة المنظمة سواء داخل امريكا نفسها او خارجها؟ اطرح التساؤل بمناسبة وفاة احد اكبر زعماء شبكة المافيا الاميركية وما حظي به رحيله من زخم اعلامي يضاهي رحيل الرئيس جون كينيدي في ستينيات القرن الماضي. لقد مات جوزيف بونانو قبل اسبوعين وعمره يقارب المئة، مخلفاً امبراطورية اجرامية تدور انشطتها حول مليارات من الدولارات، في مجالات تجارة المخدرات والدعارة والقمار والنهب المسلح. واذا كان الحجم التجاري والمالي الاسطوري لهذه الامبراطورية غير الشرعية يثير ما يكفي من العجب، فإن الأعجب انها ظلت تنمو من بدايات متواضعة لمدى عقود زمنية متصلة، دون ان تتمكن سلطة الدولة الاميركية بمواردها العسكرية والشرطية والقانونية والاقتصادية من القضاء عليها وتصفية قياداتها. جوزيف بونانو عاش طوال حياته كمواطن يحظى بالاحترام من الجميع. وقد كان يتبجح احياناً بأنه لم تلحق به قط اي ادانة قانونية ذات طبيعة اجرامية خطيرة. ان السلطة الاميركية تحشد كل قواها الرهيبة من اساطيل جوية وبحرية وقوات برية وقدرات مالية ونفوذ دبلوماسي، لاخضاع دول وشعوب وتدمير منظمات. أليس غريباً اذن انها تعجز مع ذلك عن النيل من عصابات الجريمة المنظمة وقادتها.. وان امثال هؤلاء القادة من ملوك الاجرام يعيشون عمراً بأكمله، دون ان تطالهم يد القانون في دولة عظمى تعتبر نفسها النموذج العالمي الاعظم لسيادة القانون؟ ان التفسير الوحيد هو ان امبراطوريات الاجرام تشتري بأعلى الاثمان قيادات السلطة في الولايات المتحدة، على مستوياتها المختلفة بما في ذلك قادة الشرطة والقضاة.. بل وكبار السياسيين الذين يحتلون المناصب النافذة على مستويات اجهزة الحكم العليا. وهذا يعني بدوره ان قادة الامبراطوريات الاجرامية يدركون انهم يعيشون في مجتمع ذي بيئة اجرامية. في مذكراته يقول زعيم المافيا بونانو انه تتلمذ على يد آل كابوني، اشهر قادة الجريمة المنظمة في التاريخ الاميركي عندما بزغ نجمه في ثلاثينيات القرن الماضي. ويضيف بونانو ان اهم درس تعلمه من استاذه هو انك تستطيع ان تفلت من اي جريمة، مهما بلغت خطورتها اذا توفرت لديك ثروة مالية.. فالمال في اميركا يشتري كل شيء بما في ذلك ذمم اصحاب المناصب العليا. لا عجب اذن ان بونانو لم يكن يعتبر نفسه مجرماً. فقد وصف نفسه في المذكرات بأنه «رأسمالي مغامر». وهي عبارة حبلى بالمعنى العميق. فالجميع داخل المجتمع الاميركي منغمسون ليل نهار في البحث عن المال دون الاكتراث بأن الوسيلة المتبعة شريفة او غير شريفة. طالما ان الهدف النهائي هو تحقيق ربح فإن اي وسيلة تعتبر شرعية. وبناء على هذا المعيار فإن ما يمكن ان يوصف به زعماء الامبراطوريات الاجرامية من امثال بونانو هو انهم «الاشد جسارة» لا «الاقل شرفا». وقياساً على ذلك المعيار الاميركي كان بونانو يدير «شركة» جعل من نفسه رئيساً لمجلس ادارتها. وكون ان آخرين يطلقون عليها «عصابة» او «مجموعة لصوص» فإن جوهر المسألة يبقى كما هو.. اي ان كل الشركات المعترف بها قانونياً تمارس درجات متفاوتة من الاجرام والغش والتدليس. بل يذهب بونانو ابعد من ذلك فيقول انه يدير منظمته الاجرامية كما لو كانت دولة وانه «رئيس دولة»، واصفاً علاقات منظمته مع منظمات الاجرام الاخرى بأنها كالعلاقات الدبلوماسية بين الدول! اننا نعلم ان للولايات المتحدة اجهزة عملاقة لملاحقة الجريمة: هناك وكالة مكافحة المخدرات، ووكالة مكافحة الدعارة المنظمة، بالاضافة الى اجهزة الشرطة والمباحث. وهناك بالطبع في القمة «مكتب التحقيقات الفيدرالي». لكنها جميعاً فيما يبدو اجهزة لخدمة امبراطوريات الجريمة المنظمة اكثر مما هي اجهزة لمكافحتها.