الولايات المتحدة الأميركية هي اكثر دول العالم تدخلاً في شئون الدول الاخرى، وفرض العقوبات عليها، والتلويح باستخدام القوة ضدها او التهديد بمقاطعتها، وذلك لاختراق هذه الدول ـ حسب التبرير الاميركي ـ مباديء حقوق الانسان، وذلك حدث مع الصين، والعراق، وكوريا الشمالية، وايران، وبعض الأنظمة العربية، التي تبث الولايات المتحدة عنها سنويا تقارير حول حالة الدول فيما يتعلق بالحريات العامة، وحقوق الانسان، وحرية التعبير ووضع الصحافة والاقليات و ... والولايات المتحدة هي التي انهت حياة المعارض التركي (عبدالله أوجلان) في السجن ليلقى عقوبات ابدية بعد سلسلة من محاولات الهروب الفاشلة، وهي التي اوصلت الزعيم الصربي (ميلوسيفيتش) الى محكمة العدل الدولية ليحاكم كمجرم حرب بسبب جرائمه ضد الانسانية، وهي التي تصرخ وسائل اعلامها صباح مساء، ويطالب مسئولوها ليل نهار بضرورة القبض على الرئيس العراقي (صدام حسين) وتحويله الى محكمة دولية ليحاكم كمجرم حرب بسبب جرائمه ضد شعبه وجيرانه، لكن الولايات المتحدة لا ترى في نفسها بأنها أكبر نظام سياسي في العالم يعتدي على حقوق الآخرين، ويمارس ضدهم أبشع جرائم الحرب، كما انها لا ترى في الطغمة الحاكمة في (اسرائيل) وعلى رأسها (ارييل شارون) مجرم الحرب العتيد، لا ترى في ذلك اي اجرام يستحق او يستدعي حتى مجرد التوقف والتساؤل، فأميركا تدافع عن نفسها، وشارون رجل سلام يدافع عن شعبه!! الولايات المتحدة، لا توقع على اغلب الاتفاقيات الدولية التي اقرتها الأمم المتحدة لحماية وحفظ حقوق الانسان ارتكازا على ميثاق حقوق الانسان الصادر عام 1948، فهي ترفض التوقيع على اتفاقية حقوق الاطفال، واتفاقية منع عمالة الاطفال، ومنذ ايام انسحبت من اتفاقية سبق لها التوقيع عليها وهي (معاهدة المحكمة الدولية لجرائم الحرب) وذلك حسب القرار الذي اتخذه الرئيس الاميركي بوش وادارته، وتم تسليمه الى مكتب كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة حيث جاء في القرار: «الولايات المتحدة لا تتقيد بأي التزامات قانونية تترتب على توقيعها على المعاهدة في 31 ديسمبر عام 2000»!! والموقف ليس غريبا، فالولايات المتحدة سبق ان انسحبت مع بداية عهد بوش من معاهدة (كيوتو) الخاصة بالمناخ، كما وألغت معاهدة الحد من الصواريخ المضادة للصواريخ مع روسيا. ويبقى السؤال: لماذا تنسحب الولايات المتحدة دائما، وتتنصل دائما من كل الاتفاقات والمعاهدات التي تشكل مسئولية اخلاقية وانسانية، ويترتب عليها حماية لحقوق الانسان، وردعا للحروب وسباقات التسلح، والتلوث، وحماية للطفولة من انتهاكات الاعتداء والعمالة و ... الخ؟ لماذا لا تلتزم الولايات المتحدة الاميركية بما تلزم به دول العالم؟ ولماذا تعطي نفسها حق التدخل العسكري احيانا (كما حدث في تيمور الشرقية) وغيرها، تحت ذريعة حماية حقوق الانسان، بينما هي نفسها تنتهك هذه الحقوق، وتعين على انتهاكها كما يحدث في فلسطين ومعوناتها المتزايدة لاسرائيل والتي بلغت حتى الآن اكثر من 83 مليار دولار اميركي؟ انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة المحكمة الدولية لجرائم الحرب، كان له ردود افعال كبيرة ادانت الانسحاب، وخاصة من جانب كندا والاتحاد الاوروبي ومنظمات حقوق الانسان، والهيئة الدولية المعنية بالدفاع عن حقوق الانسان (هيومان رايتس ووتش) ومنظمة العفو الدولية ووسائل الاعلام المختلفة لعل من اكثرها انتقادا لقرار واشنطن هي صحيفة (واشنطن بوست) التي انتقدت القرار واعتبرته اشارة سيئة من أميركا للعالم. ان كل ما يحدث اليوم يقول بصراحة ان الولايات المتحدة تقمصت فكراً وسلوكا نهج الامبراطوريات العظمى في التاريخ، والتي جعلتها قوتها الضاربة تمارس علاقة الغطرسة والتفوق على الجميع، وهذا لا يفعل شيئا سوى انه يعجل بسقوط اميركا كما عجل بسقوط الرومان والفرس والعثمانيين وغيرهم ... ان الولايات المتحدة تضع نفسها في الجانب المظلم من التاريخ، فانسحابها من المعاهدة لن يوقف مسيرة المحكمة وستستمر الامور وتدور عجلة التاريخ والزمن لصالح الافضل وخير الانسان، لكن الولايات المتحدة سترى نفسها معزولة تماما عن حلفائها واصدقائها وستزداد عزلتها مع ازدياد قراراتها وتوجهاتها المتغطرسة.