«تقليب» جلست اقلب ديوان العرب الذي هو الشعر الذي لم تتعلق قلوبهم بسواه من الفنون كما تعلقت به، حتى انك ماضيا وحاضرا لا تجد فيهم أميرا او غريبا فقيرا الا وتجده متعلقا بأهداب الشعر واثوابه، يظن ان ما يكتبه في قراطيسه الخاصة ولا يظهره الا على خاصة نفسه انه الشعر بعينه، ولن تجد في مقابل ذلك الا النزر القليل منهم من ينسب نفسه الى الرواية او القصة او غير ذلك من فنون هي ادنى من الشعر وان كانت اعلى فنون الامم الاخرى. «المهم» المهم انني جلست اقلب ديوان العرب هذا الذي يبدو ان كبار رواد الشعر واعلامه قد اغلقوه وراءهم كما اغلق في هذه الامة ابواب الاجتهاد، كما انعدم في الامة افذاذ الاعلام في الفقه والحديث والتفسير وجاء المقلدون الضعفاء واستثني اعلام قلائل ممن سجلوا في ذلك فتوحات ربانية جليلة. المهم قلت انه يبدو ان شعراء الأمة العظام كما رحلوا عن هذه الدنيا اغلقوا باب الشعر بعدهم من غير قصد منهم اواسط واواخر القرن الذي ذهب حتى لم يعد من اشباههم الا اشباه الاشباه ممن مازالوا قابضين على الشعر الجميل وجمرته. ومن اولئك قليلون بقي منهم من لا يعرفه الا القليل النادر خاصة بعد ان تقاقر على الشعر اذناب وزعانف لا تفقه في الشعر شيئا بل تدعيه وتزعمه اولئك من يقولون كلاما اسماه نزار قباني «فوضى الكلام» فقال: شعراء هذا العصر جنس ثالث فالقول فوضى والكلام ضباب «وقوف» ولطول ما قلبت في ديوان العرب العتيد وجدت انه حق لاولئك الفحول ان يغلقوا باب الشعر اذ لم يعد لدى من اتى بعدهم او ممن سمح له ان يخرج على الناس شاعرا، لم يعد لهم مثل ما كان للاوائل من عطاء شعري كان حقيقة العمق وعين الحكمة وحرارة الوجدان وصدق العاطفة وقمة البيان وقمة الرصانة في السبك وابعد ما يكون التحليق في الخيال. ولو شئت ان تضرب من كل ذلك مثالا لأعياك ان تختار نماذج تكون عادلا مع نفسك ومع الناس في اختيارها لان النماذج كثيرة بل اكثر من ان تحصى. فاذا ضربت عن كل ذلك صفحا وجئت تقلب ما اتى بعد اولئك الفحول من غيرهم وممن لايقتفى اثرهم او ممن يقتفى اثرهم وليس له مالهم من روح شاعرة وآلة تعين على الروح الشاعرة او تعاونها فانك لن تجد الا النثر القميء القبيح الذي لا يتبرأ منه الشعر بل النثر الجميل ذاته ذلك الذي يسمى زورا وهو ابعد ما يكون عن الشاعرية بل عن سلامة العقل والمنطق والفصاحة واقرب الى الهذيان والحمق. ولعلك ستجد متشبها بالجميل الاصيل ولا يشبهه الا في شكله المنظوم صفين او شطرين يسيران على عمود واحد ليته كان ذلك العمود على رأس من كتبه لانه عمود من «رخام بارد» لا عمود شعر خالد. «الأجمل» الأجمل من كل ذلك ان نقف على بعض شعر الاوائل لنرى ذلك النفس الشعري العميق الذي كان قرين الناس وهمومهم وآلامهم وافراحهم واتراحهم لا تعمدا ورغبة لارضاء الناس بل لانه كان شعرا صادرا عن روح انسانية شاعرة حقيقية تعيش الحياة بروح انسان لا يقول عن نفسه شاعرا بل تدل زفراته على شاعريته. وان اجمل ما وقفت عليه تلك الزفرات الشاعرية التي لحظتها عند شعراء العربية وهم يلخصون تجاربهم وينقلونها الى الخلق وكأنهم علماء نفس من الدرجة الاولى ولا ريب في ذلك فهم اقرب الناس الى روح الناس، لان الشعراء اكثر الناس حساسية بل احساسا بالناس تقاربا وتنافرا، ومن تجاربهم تلك تجاربهم في التعامل مع الآخر صديقا صادقا صدوقا وخائنا كذوبا غاشا او بمعنى آخر «تعاملهم مع الآخر» كما يحلو للبعض في هذا الزمان ان يقول. ووقوفا على أجمل تلك التجارب انقل هذا الحوار الذي اجريته مع الشاعر العربي دون تحديد اسائله عن الاخر اقول ويقول: ـ ماهو اساس تعاملك مع الآخرين؟ ـ انما الأمم الاخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا ـ فإن بليت بمن لا خلاق له من الخلق؟ ـ وإن بليت بشخص لاخلاق له فكن كأنك لم تسمع ولم يقل ـ أليس لسوء الخلق دواء؟ ـ وكل جراحة فلها دواء وسوء الخلق ليس دواء ـ فماذا يفعل كل حليم عاقل مع السفيه الجاهل؟ ـ وكل السفيه الى السفاهة وانتصف بالحلم أو بالصمت ممن يسفه ـ فان اتاك المسيء معتذرا؟ ـ اقبل معاذير من يأتيك معتذرا إن بر عندك فيما قال أو فجرا ـ وكيف تفعل اذا تكشفت لك مساويء الناس؟ ـ لا تلتمس من مساوي الناس ماستروا فيكشف الله سترا عن مساويكا واذكر محاسن ما فيهم اذا ذكروا ولا تعب احدا منهم بما فيكا ـ ومن هو الصديق الحقيقي؟ ـ وكل صديق ليس في الله وده فاني به في وده غير واثق ـ وهل ينقلب الصديق عدوا؟ ـ صديق ليس ينفع يوم بؤس قريب من عدو في القياس ـ فان لم تجد خليلا تقيا ورعا؟ ـ اذا لم اجد خلا تقيا فوحدتي ألذ واشهى من غوي اعاشره ـ وماهو اساس تعاملك مع الخلق؟ وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى ودافع ولكن بالتي هي احسن