على الرغم من اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في الجزائر المقرر في الثلاثين من مايو الجاري، لا يستثير هذا الاستحقاق الدستوري الاهتمام، الشعبي المعتاد، بينما يستمر الجدل السياسي حول جدوى هذه الخطوة في الوقت الذي تشهد البلاد انقسامات حادة في شأن كيفية الخروج من الازمة الراهنة، بالاضافة الى ما يتركه الوضع المتوتر في منطقة القبائل من انعكاسات سلبية على الوحدة الوطنية وعلى البناء الداخلي في صورة عامة. فالصراع مع القوى الاسلامية المعلن منه والمضمر، لا يزال مستمرا، ومن الواضح ان السلطة تخصص جزءا رئيسيا من اهتمامها لمواصلة حصار هذا التيار ومنعه من استعادة قوته وتأثيره. كذلك فإن المواجهات العنيفة مع الاجهزة الحكومية في منطقة القبائل، حيث يتخذ الوضع السائد هناك شكل عصيان مدني عام، تضعف من قدرة الدولة على تنفيذ قرارات واضحة وحازمة في اطار معالجة الازمة السياسية والاجتماعية في البلاد. وفي المجال الاقتصادي تواجه الحلول التي تجريها الحكومة لاعطاء هوية جديدة لاقتصاد الجزائر، عقبات كثيرة. ذلك ان الاستعجال في الانتقال من الاقتصاد الموجه الى اقتصاد السوق، تحت ضغط صندوق النقد الدولي وتوجيهاته الصارمة، يؤدي في كثير من الحالات الى الوقوع في الفراغ والفوضى، فتنهار المؤسسات العامة القديمة دون أن تكون ثمة بدائل جديدة لها، ويكون من نتيحة ذلك اقفال المئات من المؤسسات وارتفاع ارقام البطالة وزيادة الضغط الاجتماعي الذي يتسبب بدوره في ردود فعل عنيفة تتخذ اشكالا وتعبيرات مختلفة. النقطة الاولى التي مازال الجدل السياسي يدور حولها، تتعلق بمدى اهمية اجراء الانتخابات التشريعية في موعد قريب وقبل الاتفاق على الاسس التي تحدد هوية النظام السياسي الجزائري: هل هو نظام رئاسي؟ أم هو نظام ديمقراطي برلماني تعددي؟ والذين يطرحون الموضوع على هذا النحو يدعون الى ادخال تعديلات على الدستور الجزائري الذي جرى اقراره اواخر القرن الماضي، عبر استفتاء شعبي، وبعد الاتفاق على التعديلات المطلوبة بين الاحزاب والقوى السياسية الرئيسية من دون استثناء. ولأن مثل هذا الاتفاق يبدو متعذرا في الوقت الراهن لأسباب كثيرة يدعو اصحاب هذا الطرح الى مقاطعة الانتخابات التشريعية، اذا كانت السلطة مصرة على اجرائها في الموعد المحدد لها. فالمشاركة في الانتخابات في رأيي هؤلاء ستعتبر نوعا من الموافقة على اطالة الازمة، وتمديد الوضع الاستثنائي في البلاد الى اجل غير محدد. وبرغم ان الكثير من المآخذ التي يثيرها هذا الموقف يمكن النظر اليها بجدية نظرا للبلبلة القائمة والناشئة عموما عن سوء الاداء الحكومية وتزايد نفوذ المؤسسة العسكرية وبالتالي عن تشابك المسئوليات والصلاحيات على مستويات الدولة العليا، لكن ذلك لا يبرر الغاء الانتخابات التشريعية، او حتى تأجيلها. فغياب السطة التشريعية يضيف مشكلة اخرى الى المشاكل القائمة، حيث يلغي الرقابة البرلمانية على أداء السلطة التنفيذية ويؤدي إلى حصر المسئوليات في يد مؤسسة واحدة، او رجل واحد. فضلا عن ان ذلك يشكل خطورة تراجعية بالنسبة لمطلب تحقيق التعددية والممارسة الديمقراطية وسيادة المؤسسات الدستورية. ومن المتفق عليه،و في حالة الجزائر خصوصا، ان الاصلاح من داخل المؤسسات الدستورية افضل وأكثر جدوى من العمل بأسلوب التشويش عليها من الخارج بهدف العرقلة، دون ان يعني ذلك استبعاد وجود معارضة بناءة، سواء كانت هذه المعارضة داخل المؤسسات الدستورية او خارجها. وفي هذا المجال يقول رئيس الحكومة الجزائرية أمين عام «جبهة التحرير الوطني» علي فليس: «ان الانتخابات التشريعية مرحلة جديدة لتكريس الاستقرار المؤسساتي، اما مقاطعة الانتخابات فتعني الفراغ و.. المجهول». على ان هذا الجدل لم يمنع من مواصلة الحملة الانتخابية التي بدأت رسميا في التاريخ من مايو الجاري حيث انتشر المرشحون في مختلف الولايات للترويج لبرامج احزابهم، او لبرامجهم المستقلة. المشاركون في الانتخابات ثمة أحزاب خمسة رئيسية اكدت مشاركتها في الانتخابات المقبلة هي التالية: ـ «التجمع الوطني» الحزب الرسمي الداعم للسلطة برئاسة احمد اويحيى وزير العدل في الحكومة الحالية. وكان احتل المرتبة الاولى في الانتخابات التشريعية السابقة حيث احتفظ بأعلى نسبة من المقاعد النيابية التي يتشكل منها البرلمان الجزائري. ـ «حركة مجتمع السلم» بقيادة محفوظ نحناح، التي كانت احتلت المرتبة الثانية في الانتخابات السابقة حيث استقطبت الكثير من المحسوبين على تيار جبهة «الانقاذ» الاسلامية المحظورة. ـ «جبهة التحرير الوطني» التي يشغل امانتها العامة رئيس الحكومة الحالية علي فليس، وكانت احتلت المرتبة الثالثة في الانتخابات السابقة. ـ «حركة الاصلاح الوطني» التي يتزعمها الشيخ عبدالله جاب الله، وهو يعتبر من اقرب الشخصيات السياسية للقيادات «الانتقالية» ويتمتع باحترام كبير لدى مختلف الاوساط الاسلامية في الجزائر. وكان جاب الله انسحب من معركة انتخابات الرئاسة الجزائرية في مواجهة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة احتجاجا على ما وصفه بـ «تحيز السلطة» لمصلحة الاخير. ـ «حركة النهضة» التي يرأسها لحبيب الآدمي، وهي احد الاطراف المشاركة في الائتلاف الحكومي. وباستثناء «التجمع الديمقراطي» الذي بنى قاعدته الشعبية انطلاقا من انه حزب السلطة او الحزب الحاكم وان لم يكن الحزب الوحيد كما كان حال جبهة التحرير الوطني خلال عهد الرئيس الراحل هواري بومدين فإن كلا من الاحزاب الاربعة الاخرى ـ بما في ذلك جبهة التحرير الوطني بتركيبتها الحالية ـ يطمح الى ان يحظى بتأييد القاعدة الاسلامية التي كانت جبهة الانقاذ المحظورة تستمد قوتها منها مما أهلها لتحقيق فوزها الكاسح في انتخابات عام 1991. ومع ان قاعدة «الانقاذ» لم تعد كتلة واحدة موحدة كما كان شأنها قبل عقد مضى، وذلك بسبب حملات التصفية المتواصلة التي تعرضت ولا تزال تتعرض لها، الا انها ما زالت قادرة على تعديل الكفة لمصلحة هذا الحزب او ذاك اذا ما صبت أصوات انهارها في اتجاه معين، كما حدث في الانتخابات التشريعية السابقة حيث استفادت حركة مجتمع السلم من تأييد قسم كبير من القاعدة الانقاذية. اما جبهة التحرير الوطني التي تحاول الآن استعادة دورها السابق باعتبارها حزب السلطة وتحديدا حزب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، فهي تسعى بقوة لتعزيز رصيدها في الانتخابات المقبلة بعدما استطاعت اعادة استقطاب عدد من اعضائها وناشطيها السابقين. ومع ان الجبهة تتمتع بدعم الاجهزة الحكومية وتحظى بتسهيلات خاصة كما تؤكد مصادر مختلفة، فهي تحاول ان تقيم توازنا بين التيار الاسلامي والديمقراطي الجمهوري. واذا كان هذا الموقف الوسطى جعلها تخسر الكثير من رصيدها السابق بسبب حالة الاستقطاب الحادة التي سادت خلال ذروة الصدام بين السلطة وجبهة الانقاذ الا ان الانفراج النسبي في الازمة الداخلية، في ظل المصالحة الوطنية يمنح جبهة التحرير هامشا اوسع للمناورة. وهناك مؤشران يدفعان في الاتجاه ذاته، الاول هو اعلان الرئيس بوتفليقة عدم اعتراضه على ترشيح تيار جبهة الانقاذ في الانتخابات المقبلة ضمن لوائح الاحزاب المجازة رسميا بشرط نبذ العنف وتأكيد المرشحين احترامهم لمباديء الجمهورية. والثاني هو اسقاط ترشيح عدد من القادة التاريخيين لجبهة التحرير الوطني، او من يسمون بـ «الحرس القديم» وذلك بهدف احداث تغييرات بنيوية داخل الجبهة تسمح بتجديد هذا التنظيم السياسي العريق عبر ضم عناصر جديدة إليه وتخليصه من طابعه التقليدي، وكذلك من النزاعات الفردية التي ادت الى اضعافه وتراجعه. ومع ذلك فإن الهاجس الذي تمثله جبهة الانقاذ المحظورة بالنسبة للسلطة الجزائرية ما زال يحرك الكثير من الاجراءات الرسمية المضادة ومن ذلك على سبيل المثال اسقاط ترشيح نحو خمسين مرشحا تشتبه السلطات الامنية بانتمائهم الى الانقاذ وهذا المسلك ربما يحمل انصار الانقاذ على منح اصواتهم الى الاحزاب التي تعتبر أكثر قربا اليهم ومن الممكن ان تستفيد الاحزاب الاربعة السابق ذكرها من هذا التمييز. تحديات منطقة القبائل على ان التحديات التي تواجهها السلطة الجزائرية حاليا تتمثل في استمرار الحالة الصدامية مع منطقة القبائل وإعلان الاحزاب الامازيغية الرئيسية مقاطعتها الانتخابات التشريعية المقبلة، فـ «جبهة القوى الاشتراكية» بزعامة حسين آيت احمد، المعارض الدائم اعتبرت الانتخابات حلا خاطئا للازمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ عام 1992 كذلك اعلن «التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية» برئاسة سعيد سعدي ان هدف الانتخابات ضمان استمرار النظام الحالي بأي ثمن. وحتى التحالف الوطني الجمهوري الذي يقوده رضا مالك رئيس الحكومة الاسبق وهو شريك في الائتلاف الحكومي الحالي، انضم الى مقاطعي الانتخابات التشريعية، انسجاما مع الأجواء السلبية السائدة في منطقة القبائل. ويقول مالك في هذا الشأن انه لا يمكن تخيل انتخابات تشريعية تجري في غياب منطقة مهمة من مناطق البلاد. ويضيف ان ذلك يمكن تفسيره على انه انفصال انتخابي لا يمكن توقع نتائجه. اما رئيسة حزب العمل، لويزة حنون 4 مقاعد في البرلمان فطالبت الحكومة بتأجيل الاقتراع حتى هدوء الوضع في منطقة القبائل كذلك اعلنت معظم تنظيمات العروش المحلية المتشددة مقاطعتها الانتخابات وطالبت بحلول جذرية للمشاكل التي يشكو منها ابناء المنطقة بما يعيد الاعتبار اليهم ويضع حدا لتحقيرهم. ومن الواضح ان الخطوة التي نفذتها السلطة الجزائرية بترقية اللغة الامازيغية «امازيغت» الى لغة وطنية بعدما اقر البرلمان الجزائري المرسوم الرئاسي في هذا الشأن لم تحقق الانفراج المطلوب في علاقات السلطة مع ابناء منطقة القبائل. واعتبرت هذه الخطوة غير كافية لاقناع ابناء المنطقة بالاندماج الكامل في الحياة السياسية العامة وطرح المطالب من خلال المؤسسات الدستورية وكانت العلاقات بين الطرفين شهدت اسوأ مراحلها في اعقاب المواجهات الدامية التي حدثت في المنطقة، وفي العاصمة الجزائرية نفسها، وأدت الى وقوع عشرات الاصابات بين المتظاهرين. كذلك فشلت بعض الاجراءات الاخرى التي اتخذتها السلطة، ومنها معاقبة عدد كبير من الضباط ورجال الدرك بسبب استخدام العنف المفرط ضد السكان، في حمل ابناء المنطقة على تعديل موقفهم والتخلي عن اسلوب المقاطعة الذي يجري التلويح به. ولكن بغض النظر عن التباينات القائمة بين القوى السياسية، سواء حول الانتخابات التشريعية المقررة او غيرها من القضايا الرئيسية المطروحة، فإن ثمة حقيقة ثابتة يتفق الجميع على تأكيدها وهي ان الجزائر دولة غنية بفضل ثرواتها النفطية ومصادر الطاقة الاخرى التي تدر عليها ما يزيد على عشرين مليار دولار سنويا ومع ذلك فإن شعبها يعاني الفقر ويواجه مشاكل اجتماعية ضخمة لا تختلف عن تلك التي تعاني منها الدول الفقيرة. والنتيجة الطبيعية لهذا الوضع هي تآكل الثقة الشعبية بمؤسسات الدولة وسياساتها العامة، وكذلك اتساع نطاق الصراعات السياسية والانقسامات الداخلية بما ينعكس على الحياة العامة ويؤدي الى خلخلة عميقة في الوحدة الوطنية ويخشى المتابعون لما يحدث في الجزاير من ان يؤدي المتابعون تصاعد اعمال العنف، على نحو ما شهدته عدة مناطق جزائرية اخيرا الى تزايد نفوذ المؤسسة العسكرية وتشديد قبضتها على القرار الرسمي تحت غطاء مكافحة الارهاب وحماية المدنيين ومن هنا تأتي اهمية اجراء الانتخابات التشريعية وتعزيز المؤسسات الدستورية في البلاد لأن البديل عن ذلك لن يكون سوى الفراغ وانفلات النزعات الفردية هنا وهناك وهذا ما عانت منه الجزائر حتى الآن اشد المعاناة. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا