لم يعد للسلطة الفلسطينية واجهزتها ورجالها حديث سوى «الاصلاح» لكن المشهد الذي نراه مصطنع وزائف. تصريحات صاخبة تحمل وعوداً بشأن اجراء انتخابات بلدية تعقبها انتخابات نيابية.. وزراء يتحمسون فيتقدمون بمذكرة الى رئيس السلطة تعلن عن استعداد لوضع استقالاتهم رهن يده حتى تنطلق عملية «الاصلاح» دون حرج.. لجنة الانتخابات تجتمع لمناقشة «الترتيبات التقنية». لكن المشهد برمته وبكل تفاصيله لعبة مفتعلة لاخفاء ما يجري خلف الكواليس بعيداً في واشنطن، حيث يعكف مسئولون اميركيون مع شخصية فلسطينية غامضة ذات تفويض كامل من الرئيس عرفات، على وضع خطة لكيفية ذبح المقاومة الفلسطينية المسلحة تحت عنوان «الاصلاح». ربما يكون محمد رشيد المستشار الاقتصادي لرئيس السلطة الفلسطينية نكرة على الصعيد الشعبي الفلسطيني، لكنه في الحقيقة اخطر شخصية بعد عرفات مباشرة.. فهو حلقة الاتصال المعتمدة بين عرفات ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي. آي. آيه» وجهاز الموساد الاسرائيلي. ومن ادلة خطورته تفضيله العمل في الخفاء بعيداً عن الاضواء الاعلامية. دون اعلان مسبق وصل محمد رشيد الى واشنطن الاسبوع الماضي، ومع حرصه على تحاشي الظهور على الشاشات التلفزيونية إلا انه ادلى بحديث الى مراسل وكالة رويترز في العاصمة الاميركية، وهو حديث يمكن ان يكون مدلوله وانعكاسه على المستقبل الفلسطيني اخطر من وثيقة أوسلو. لقد قال المستشار الفلسطيني انه عقد اجتماعات مع مسئولين اميركيين كبار بغرض «وضع خطة زمنية للاصلاحات الديمقراطية في السلطة الفلسطينية». ومن ثم سرد تفاصيل اقل ما يمكن ان يقال عنها انها مذهلة. كانت اجتماعاته مع وليام بيرنز مساعد وزير الخارجية الاميركية وجورج تينيت مدير وكالة الاستخبارات المركزية وبول فولفتز نائب وزير الدفاع «الذي وقف خطيبا قبل ثلاثة اسابيع في مظاهرة رتبتها المنظمات اليهودية الأميركية للتضامن مع اسرائيل اثناء اجتياح قواتها للمدن والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية». ويقول رشيد ان محادثاته معهم تركزت على اعادة بناء أجهزة الامن الفلسطينية التي من المتوقع ان تتمحور حولها زيارة تينيت الى المنطقة قريبا. لقد طالب الجانب الاميركي في المحادثات بتوحيد 12 جهازاً أمنيا فلسطينياً في جهاز امن مركزي واحد من اجل نزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية، ويفيدنا رشيد بأن الجانب الفلسطيني «قبل بهذا!». ويواصل محمد رشيد مستشار عرفات سرده لنتائج محادثاته مع المسئولين الاميركيين قائلا ان قيادة السلطة الفلسطينية تعلم ان الولايات المتحدة لا تقبل بأن يكون للمنظمات الفلسطينية ميليشيات مسلحة «ونحن من جانبنا ملتزمون بأن يكون الجهاز الامني الفلسطيني الجديد الجهاز المسلح الوحيد». ويبدو ان الهدف الاوحد لزيارة تينيت المرتقبة وفريقه الامني من وكالة الاستخبارات المركزية هو وضع نتائج المحادثات موضع التطبيق العملي على الارض، وبصورة اكثر تحديدا يلخص رشيد مهمة تينيت في بندين: أولا: كيفية اعادة تأهيل وتدريب قوة امنية فلسطينية جديدة. ثانيا: بناء نظام قادر على ان يحمي التزاماتنا تجاه اسرائيل الى جانب السيطرة على الموقف الامني في الاراضي المحتلة. كل هذا يجري وسيجري في الخلفية المعتمة بينما في واجهة المشهد تشغل السلطة الفلسطينية الناس باحتفاليات انصرافية حول مشروع انتخابات قد لا تعقد اطلاقا او ترتب كعملية ديكورية لها نتائج مقررة مسبقا. وهكذا سوف يتسارع في الايام والاسابيع المقبلة ايقاع سيناريو الاجهاز التام على انتفاضة الاقصى باسم «الاصلاح السياسي» وتحت اشراف اميركي مباشر. فلم يعد هناك شك انه سيناريو معد سلفا بكل تفاصيله الدقيقة وفق جدول زمني محدد. فالمستشار محمد رشيد يقول صراحة ان الجانبين الفلسطيني والاميركي «يسعيان الى احداث التغييرات الرئيسية في السلطة الفلسطينية في مجالي الامن والسياسة قبل المؤتمر الدولي المعني بقضية الشرق الاوسط». واذا صحت تقديرات رشيد فإن الموعد المقرر لعقد المؤتمر الدولي يحين خلال اسابيع معدودات فقد حدد له «اواخر يونيو او اوائل يوليو». وفي هذه الاثناء تواصل السلطة الفلسطينية بالطبع إثارة المناقشات الاحتفالية المفتعلة حول «الاصلاح» والانتخابات.