يوما تلو الآخر، تتكشف نوعية القيم والمقدمات الفكرية التي يفترض ان يعيش في كنفها ناس القرن الواحد والعشرين. وعلينا ان نعترف بحجم المساهمة، التي تضطلع بها المؤسسات الأميركية على اختلاف وظائفها في هذه العملية، تحت شعار العولمة. وفي انتاجها وتصديرها للقيم، لا تعبأ هذه المؤسسات كثيرا بمدى مقبولية الآخرين لما تنتهج، وهي تبذل جهدا خارقا لتصديره طوعا أو فرضه كرها اليهم. نعلم مع كثيرين ان هذه العولمة أو الأمركة تخضع لتناظر معمق حول جدواها من النواحي الثقافية والاقتصادية والمالية.. ومما يثيره المعترضون في اطار هذا التناظر، ان العولمة من شأنها ان تقضي على مظهر التعدد أو التنوع، الذي طالما أثرى الحياة الانسانية وطور ابداعاتها. وفي دفوعهم المضادة، يعطف أنصار العولمة على مفهوم الوحدة المؤدي الى سهولة التعامل. ومنهم من يذهب الى ان العالم يسعى الى مظاهر العولمة بقوة دفع ذاتية لا يمكن وقفها أو منع سيرورتها. ما يعنينا من هذا الرأي الأخير، ان أصحابه أنفسهم يعكفون على مناقضته في سلوكهم وتصرفاتهم التي تتعلق بالشق القانوني من العولمة. هذا على الرغم من كون هذا الشق، الذي يعني ان يستهدف عالمية الحقوق والواجبات ووحدة السياق القضائي، كان وما زال هو الأولى بالرعاية من جانبهم. كيف ذلك؟ لعلنا نذكر كيف أنفق الفكر الغربي، الأميركي بخاصة، وقتا وجهدا لأجل تعميم ونشر مفهوم عالمية حقوق الانسان. ولأكثر من خمسين عاما منذ صدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان (ديسمبر 1948)، رفض هذا الفكر تغاضي بعض الدول عن الأخذ بهذا المفهوم بزعم الخصوصيات الثقافية والدينية.. ومن المعلوم ان دولا عربية واسلامية تعرضت لحملات من التشهير والتنديد من جانب حقوقيين أميركيين وأوروبيين، بسبب عدم تصديقها على هذا الاعلان. ومما قيل في ذلك ان الاعلان يمثل خلاصة تفاعل فقهي، شارك فيه ممثلون عن مختلف الشعوب والثقافات، وينبغي العمل به بدون استثناء أي بنود أو فقرات منه. محاولة التعميم أو «العولمة القانونية» ذاتها، تنطبق على المواثيق الدولية الأخرى، التي تسير وفقها المنظمات الساهرة على السلم والأمن والرخاء الدولي، اذ لم يوافق الفقه الحقوقي الغربي يوما على ان تأخذ القوى الدولية ببعض كتاب القانون الدولي والمواثيق الحقوقية العالمية وتهجر البعض. وقد ظل هؤلاء ثابتين على موقفهم هذا، حتى بعد ان تأكدوا من هيمنة عالم الأقوياء عند صناعة هذه القوانين والمواثيق، وأيقنوا ان بعض محتوياتها لا تستقيم والعدالة بمفهومها الصحيح. لقد كان الحفاظ على الوضع الراهن والحد المتوفر من القانون والنظام الدوليين، أهم عندهم من الوفاء بمعايير العدالة نزولا عند ارادة الشعوب التي تحررت حديثا. هذا هو الفهم الذي تبرر به بعض المؤسسات الغربية، الحقوقية منها بخاصة، تقاريرها بشأن أحوال حقوق الانسان في بلدان متباينة الثقافات والنظم الاجتماعية والاقتصادية. فبدون التقييد بمقاييس حقوقية واحدة، تصبح مثل هذه التقارير وما تنطوي عليه من أحكام بلا معنى، وكثيرا ما احتجت حكومات في عالمنا العربي على هذه الأحكام، كونها مشتقة عن مقاربات قانونية لا تنتمي للمتعارف عليه في ثقافتنا ونظمنا القيمية. غير ان تلك المؤسسات كما هو حال وزارة الخارجية الأميركية، لم تلتفت في العامة لهذه الاحتجاجات وذلك بادعاء ان العدالة هي العدالة والقانون هو القانون وفي كل زمان ومكان، وأنه لا مجال للمساومة على حقوق الانسان الأساسية تحت أية ذريعة. كان الغرب في جله، على مستوى الفقه والفعل، ميالا بقوة الى جانب قضية العولمة الحقوقية والقانونية. وحتى التيارات التي شككت في جدوى وصحة اتجاهات العولمة الثقافية بالذات، لم يظهر عنها ما يوحي بالتساهل أو الاسترابة في هذه القضية. الذي يحدث الآن يعاكس هذا التقليد على طول الخط، الاتجاه الغالب حاليا على السلوك الأميركي والأوروبي بشكل واضح، هو الذي لا يهتم بالعولمة الحقوقية، وقد لا نبالغ اذا ما ذهبنا الى حد افتراض تبلور نوع من المنظور الطبقي للحقوق والقانون في عالم الغرب. فما يصدق وينطبق على دول بعينها وشعوب وأجناس بعينها ومواطنين بعينهم، لا يصدق على غيرهم، وذلك على الصعيدين، الداخلي في دول الغرب، والعالمي خارج هذه الدول. ولا حاجة بنا في معرض التدليل واستلهام الأمثلة، للاشارة الى الكيفية التي عالجت بها الدوائر الأميركية أوضاع الملونين والعرب والمسلمين، داخل الولايات المتحدة ذاتها، غداة الحادي عشر من سبتمبر الماضي. فما حدث على هذا الصعيد ما زال رطبا في الذاكرة الدولية العامة، والأمر ذاته، ينطبق على التعامل الأميركي، بتواطؤ غربي ظاهر، مع سجناء جوانتانامو، الذين أخرجوا من دائرة الانسانية بالكامل. أما آخر مؤشرات انتهاك المفهوم الغربي لعالمية حقوق الانسان، فيمكن استحضارها مما جرى في غمرة المواقف الأميركية والأوروبية من جرائم اسرائيل خلال اجتياحها الأخير للأراضي الفلسطينية. ان أكثر النماذج الحاحا في هذا الاطار، تلك التي تتعلق بالمقاربة الغربية العامة للقضايا الآتية: التحقيق في عمليات الابادة الجماعية داخل مخيم جنين، واستباحة حرمة كنيسة المهد في بيت لحم، وابعاد بعض الفلسطينيين الى خارج وطنهم، الولايات المتحدة أعرضت عن مبدأ التحقيق في جرائم جنين وساومت به على مسائل أخرى، والعالم الغربي المسيحي برمته وقف عاجزا عن اتخاذ اجراء عقابي أو حتى زجري ضد التعدي على كنيسة المهد وحرمان المسيحيين في رحابها من اداء شعائرهم فيها وقتل الأنفس في أروقتها، وهذا العالم ذاته، تساهل مع ابعاد مواطنين أقحاح من ديارهم الى المجهول في البلاد الأوروبية بدون أي اجراء قضائي. ما يلفت النظر ويثير الأسى في هذه النماذج - وهي غيض من فيض - ذلك الاستهتار الصارخ بالأسس الحقوقية العامة التي يثيرها كل نموذج منها، فالأول يؤشر لازاحة اتفاقات جنيف الخاصة بحماية المدنيين وقتي السلم والحرب، والثاني يدحض ما قيل مطولا عن غيرة الغرب على حرية العبادة وحماية الأماكن المقدسة. والثالث يجافي كليا الحق في العودة وصيانة الكرامة الانسانية فضلا عن مناقضة للحق في المحاكمة القضائية مع توفر ضمانات العدالة. مع غير الحالة الاسرائيلية، كان أي واحد من هذه النماذج كفيلا بوقوف العالم الغربي، بفكره وحركاته الحقوقية ومؤسساته الحاكمة، على قدم واحدة الى ان يقتص للعدالة وحقوق الانسان. لكن هذا العالم سمح بتمرير جرائم اسرائيل بلا عقاب. وهو موقف يتجاوز مفهوم المعايير المزدوجة، لأنه يؤسس لقيم أخرى من المنظور الحقوقي، تكون بمقتضاها مباديء حقوق الانسان قابلة للمساومة والاستثناء اذا ما انتهكت من مريدين أو حلفاء. وبمرور الوقت وتكرار السوابق يصبح الحديث عن عالمية هذه المباديء مجرد لغو. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة