احدى الأكلات او المأكولات الشهيرة في ريف مصر وصعيدها هي «الملوخية بالارانب»، وحديثا بدأ البعض في القاهرة يفضل «الملوخية بالجمبري»، وفي كل الاحوال ظلت الملوخية سواء كانت خضراء او «ناشفة» احد الاطباق المفضلة في مصر بغض النظر اذا كانت بالأرانب او الجمبري او حتى «قرديحي» اي سادة بدون اي بروتينات. لكن هذه الوجبة الجميلة التي يلتف حولها كثير من المصريين قفزت منذ ايام الى عناوين وسائل الاعلام العالمية خاصة الفضائيات الاميركية وتحولت من مجرد «أكلة» الى سلاح جرثومي ارهابي خطير يهدد السيادة الاميركية. الحكاية ليست من باب النوادر او الفكاهة لكنها حقيقة مرة كشفت حالة الرعب التي يعيشها الاميركيون منذ احداث سبتمبر الماضي. تقول القصة ان مصريا من مركز ملوي بمحافظة المنيا بصعيد مصر سافر الى اميركا في الايام الماضية ليزور اهله واصدقاءه الذين هاجروا قبل 5 سنوات من الفيوم وشبرا واستقروا في مدينة تدعى «يونكرز» تبعد 22 كيلومترا من نيويورك. ويبدو ان الاسرة المصرية القبطية المستقرة في امريكا طلبت من هذا المسافر ان يحضر لهم ملوخية من مصر، او انه بنفسه وجد ان دخوله على اقربائه «بربطة الملوخية» هي افضل هدية تذكرهم ببلدهم الذي تركوه بحثا عن ظروف حياة تصوروا انها افضل. المهم ان صاحبنا وصل الى ارض الميعاد التي اصبحت مبتغى غالبية الشباب، واتفق الجميع على اعداد وليمة فخمة تليق بالمناسبة على شرف الملوخية. لكن يبدو ان هذه الاسرة نسيت القواعد الصارمة للملوخية، وهكذا وبدلا من احضار الارانب، قامت بشراء لحوم من محل جزارة يملكه مصري ايضا هناك، اشتراها بدوره من اميركي.. وفجأة وبعد نهاية الوليمة شعر الجميع بأعراض تسمم فصرخوا والتف الجيران ونقل المصابون الخمسة الى اقرب المستشفيات. الى هنا والامر عادي ويحدث دائما ان تصاب اسرة بتسمم غذائي اما ما هو غير عادي فهو تدفق رجال الشرطة ثم عناصر المباحث الفيدرالية «اف.بي.آي» واغلاق منزل المصريين ومحل الجزارة واصدار الـ «اف.بي.اي» بيانا يقول بالنص ان سبب ما حصل هو «انتشار جرثومات سامة ناتج عن عملية ارهابية بمادة السيانيد او سلاح جرثومي اخر». وفجأة وجد كافة المصريين الذين يعيشون في المنزل انفسهم متحفظا عليهم وشقتهم مغلقة ويواجهون اتهاما بالارهاب الجرثومي، وربما مسئولية نشر بكتريا الجمرة الخبيثة التي لم يجدوا فاعلها حتى الآن. خاصة ان مصدر الملوخية هو محافظة المنيا بالصعيد التي كانت مسرحا فيما سبق للمواجهات الدامية بين الحكومة والجماعات الاسلامية. المهم وبعد التدقيق والبحث وتفهم اهمية الملوخية للمصريين تبين ان سبب ما حدث هو ان اللحم الذي تم شراؤه من جزارة الاميركي كان ملوثا واقر رئيس البلدية في مؤتمر صحفي كبير بأن ما حدث ليس ارهابا جرثوميا وانما طبخة ملوخية ثبت تسممها باللحم الملوث، ولكن دائرة الغذاء والدواء الاميركية قدمت امس سببا اخر للتسمم واتهمت الملح المستخدم في الملوخية بأنه المتهم الاول في الحادث! هذه القصة قد تصلح موضوعا لفيلم سينمائي كوميدي او ربما مادة خام لرواية عبثية لكنها ايضا وفي جوهرها تكشف حالة الهلع التي يعيشها الاميركيون وانهم خلافا لصورة رامبو او روكي التي يحرصون ويلحون على تجسيدها عبر هوليوود، هم في الحقيقة «اغلب من الغلب» وجبناء مثل اي شعب اخر يعيش مثل ظروفهم او باختصار هم بشر مثلنا تصيبهم احيانا حالات من الضعف والخوف وبالتالي فهم في النهاية يمكن مواجهتهم بل وهزيمتهم كما يمكن ايضا التعايش معهم شرط ان يحترموا هويتنا. لكن البعد الاهم في نظري هو ان هذه القصة ذكرتني بالقول المأثور لاحد الكتاب الغربيين واعتقد انه «كبيلنج» حينما قال «الشرق شرق والغرب غرب وهما لا يلتقيان»، هذا القول هو الحجة التي يستخدمها دائما كل من يؤمن بعدم امكانية التعايش بين الحضارات وان العلاقة بين الشرق والغرب او بين العرب والمسلمين وبين الغرب هي علاقة صراع. لسنا هنا بصدد مناقشة مدى صحة هذا الصراع من عدمه، لكن حكاية الملوخية تكشف الى اي حد يؤدي سوء التفاهم بين الشعوب في احداث كوارث. فالملوخية التي لا يعرف الاميركيون قيمتها لدى المصريين وبعض العرب هي متفجرات جرثومية قاتلة، والمصريون الذين فضلوا الهجرة لارض الميعاد ظلوا متمسكين بمصريتهم و«بملوخيتهم» ما يعني ان الرهان على امركتهم امر شبه مستحيل، كما ان الهوس الاميركي لم يعد فقط يكتفي بادراج ما يسميه بالجماعات الارهابية على قوائم تصدر بصفة منتظمة الآن، وانما بدأ يطال الوجبات والمأكولات العربية ايضا، فقبل شهور اصبح «العسل اليمني» ارهابيا لانه قيل ان اسامة بن لادن يمتلك بعضا من مصانعه ومعامله، والآن جاء الدور على الملوخية المصرية، وربما غدا يصل الى البرياني او «المنسف» الذي قد يفسر اسمه باعتباره اسما ارهابيا ناسفا. لكن وفي النهاية علي الاعتراف بأن اكثر ما اثلج صدري في هذه الكوميديا السوداء هو براءة الملوخية التي اعشقها من تهمة الارهاب، كما ان ما حدث هو تحذير لكل من تسول له نفسه طبخ الملوخية بأي شيء آخر بخلاف الارانب، وهي الطبخة التي اعلم ان نائب رئيس التحرير بالجريدة ظاعن شاهين يكرهها، وبالتالي فذلك تحذير مفتوح لكل كارهي «الملوخية بالارانب» حتى لا يجدوا انفسهم بين شقي الرحى: الادراج على قوائم الارهاب الاميركية او الاصابة بأعراض التسمم نتيجة ان الملوخية لا تحب الا الارانب!