مطار دالاس الذي نزلت فيه ومنه سأطير إلى باريس في طريق عودتي إلى القاهرة ومعظم الرحلات التي تتم عبره دولية، المطار الثاني ـ أو الأول لا أدري لأنني لم أتعامل معه ـ فاسمه الدولي (انترناشيونال) وبعكس الاسم فإن معظم الرحلات عبره داخليه، انه يقع في قلب المدينة، على مقربة من المؤسسات الفيدرالية البيت الأبيض الكابيتول، المحكمة العليا، الوزارات، حركة الطيران منه وإليه كثيفة جدا، وفي الشوارع القريبة منه يفاجأ الإنسان بطائرة فوق رأسه تقريبا متجهة إلى ممر الهبوط، كثيرون من أعضاء الكونغرس يجيئون من الولايات التي يمثلونها، يحضرون الجلسات وربما يعودون في اليوم نفسه، أي أن المطار يخدم المؤسسات الفيدرالية، وإليه كانت تتجه الطائرتان المخطوفتان يوم الحادي عشر من سبتمبر، الأولى تحطمت في ظروف غامضة، ويبدو أنها أسقطت قبل أن تبلغ البيت الأبيض، أما الثانية فقد اصطدمت بأحد أضلاع البنتاغون الثمانية. حدثني صديق عزيز صحبني في جولة بالعاصمة عند مرورنا بالقرب من المبنى الضخم أصفر اللون قال انه رأى الطائرة لحظة اصطدامها بالبنتاغون، كان ذلك في الصباح، قادم من فرجينيا إلى واشنطن حيث يعمل، معظم العاملين بالعاصمة يسكنون فرجينيا لأن الإيجارات أرخص، الطريق في التاسعة صباحا مزدحم، قال انه رأى الطائرة قادمة، عادي جدا رؤية الطائرات المارة قرب البنتاغون في اتجاه المطار الدولي، حيث ممر الهبوط المؤدي، لكن غير العادي كان الارتفاع الذي تطير عليه، كانت منخفضة جدا، وفي لحظات اصطدمت بالجزء الخارجي من البنتاغون، لحظتها شعر أن قوة هائلة دفعت السيارة التي كانت على الطريق المحاذي ولكن على مسافة حوالي كيلو متر، رأى كتلة اللهب والغبار، وعندما نزل من السيارة فوجئ بكل من في العربات مثله يحدقون إلى المبنى في ذهول وأبواب عرباتهم مفتوحة. رأيت العمل قائما، متصلا لاعادة بناء الجزء المدمر، يبدو أنه تم، لكن لونه أفتح من لون المبنى كله الذي يميل إلى اصفرار، معدات البناء قائمة، موجودة، ترتفع الاعلام الأميركية فوقها، فوق الجزء الذي أعيد بناؤه، ان ظاهرة انتشار الاعلام الاميركية فوق المباني والمنشآت، والسيارات، ملفتة للنظر، وقد سألت أكثر من صديق فأخبروني أنها ظاهرة حديثة انتشرت بعد الحادي عشر من سبتمبر، تعبيرا، عن التضامن في مواجهة الخطر، أو تأكيد الانتماء بين مواطنين ينتمون إلى أعراق مختلفة في أصولها، وتأكيدا أيضا لفكرة الأمة، وتعبيرا من ناحية أخرى عن فقدان الثقة. لاحظت أن الطائرات لم تغير مساراتها، وكثير منها يمر قرب المنشآت الكبرى ومنها البنتاغون نفسه، لا أعرف التدبيرات المتخذة الآن، ولكن بالتأكيد ثمة خطوات تم اتخاذها حتى لا يتكرر ما حدث في سبتمبر الذي يعد بحق علامة فاصلة في تاريخ الولايات المتحدة التي لم تتوقع أن يأتي الخطر المباغت من الداخل، والولايات المتحدة لم يباغتها الخطر إلا في الحرب العالمية الثانية عندما هاجم اليابانيون قاعدة بيرل هاربور في الغرب، ولكن شتان ما بين هدف عسكري يهاجم خلال حرب، وبين عمل إرهابي في ظروف عادية، يستهدف رموزا محددة تم اختيارها بعناية، الاحتياطات التي توقعتها خبرت جانبا منها عند سفري، بمجرد الانتهاء من مؤتمر الرواية في جامعة جورج تاون، وبعد تمام فحص طبي ضروري، بدأت استعد للمغادرة، لعبور المحيط في الطريق المعاكس بعد خمسة أيام من وصولي، معظم الطائرات المتجهة إلى أوروبا تقلع ليلا، ما بين الحادية عشرة والثانية عشرة ولأنني من الذين يصعب عليهم النوم في الطائرات، فقد حاولت أن أغفو ولو لوقت قصير خلال النهار، ولكن محبة الأصدقاء وحفاوتهم أعاقتني عصرا عن الصعود إلى غرفتي والتماس بعض الراحة، وكثيرا ما يؤذيني الخجل، فإزاء ما واجهته من ترحيب ورغبة في القربى، لم أبد الرغبة في الانسحاب إلى الحجرة للراحة، هكذا صعدت لأرتب حقيبتي وأغلقها استعدادا للرحيل، القيت نظرة من خلال النافذة على المدينة الممتدة على الضفة الأخرى من النهر، والمسلة الشاهقة التي تنطلق من مركزها، إن غزارة اللون الأخضر وتنوعه ملفتة للنظر، وكذلك درجات ألوان الزهور، وفي كثير من المناطق تبدو الطبيعة بكرا لم تمس وكأنها في حالتها الأولى قبل قدوم الغزاة الأوروبيين في الطريق إلى المطار بصحبة أحد أقاربي الذين يعيشون هنا منذ زمن طويل ويعمل أستاذا في جامعة جورج تاون للأدب العربي، كان حريصا على أن يعرفني على معالم المدينة في الطريق إلى المطار، وعند مدخل يتخلل الأشجار الكثيفة، لايبدو من خلالها أي شيء، أشار قائلا: هنا مركز قيادة المخابرات المركزية «سي أي أيه» لم يكن هناك ما يدل على أي مبنى حتى آخر مدى البعد، بالطبع كان ممكنا أن يمر المكان مرور الكرام، ولكن مجرد المعرفة يثير الخيال ويثبت اللحظة في الذاكرة ويستدعي إلى الذهن أمورا شتى، لقد أصبحت هذه الحروف الثلاثة دلالة على عالم كامل وتاريخ وأحداث على جميع المستويات وعنف، وتبدل مصائر دول وأفراد أخيرا وصلنا المطار، عندما وصلت إلى مكتب الشركة الفرنسية، قلبت المضيفة جواز السفر من الشمال إلى اليمين، وعندئذ مددت يدي لأريها الوضع الصحيح، تأملت الصفحات الأولى، ثم تناولت ورقة الدخول البيضاء وأدخلتها الدرج، وبعكس ما جرى مع كل الركاب الذين تقدموني، قالت: (لحظة من فضلك) ثم غادرت موقعها إلى مكتب ما يقع في الناحية الأخرى، ظللت واقفا مع مراقفي، وكنت هادئا تماما، إذ أنني طالما لم أقدم على مخالفة، وليس لدى ما أخشاه فلا يوجد ما يدعوني إلى القلق إلا الظروف الطارئة بعد الحادي عشر من سبتمبر أتت بإجراءات جديدة ومنها ما أقدمت عليه المضيفة الأرضية، في الولايات المتحدة وعند المغادرة لا يمر الراكب على مكتب جوازات، تقوم مضيفة الشركة التي تنهي إجراءات السفر بالاحتفاظ بكعب الإستمارة البيضاء التي يكتبها الزائر عند الدخول، وهذا يعني انتهاء الإجراءات الخاصة بالجوازات، لأختم عند الخروج، الختم عند الدخول فقط، بعد حوالي عشر دقائق، وهذه مدة طويلة بالطبع أثناء إنهاء إجراءات السفر، خاصة أن ثمة طابور يقف منتظرا، عادت المضيفة ممسكة بجواز سفري، تتدلى منه صفحات مصورة، تبينت خلالها الصفحات الأولى من جواز سفري، ولم أر هذا الإجراء مع الركاب الآخرين، مضيت إلى بوابة الدخول هنا لابد أن افترق عن مرافقي، وضعت حقائبي في جهاز الأشعة، تجردت من كافة المواد المعدنية، بعد عبوري البوابة تقدم مني اثنان يحملان الاجهزة الصغيرة التي مرراها حول جسدي عدة مرات، ثم طلب أحدهما أن أخلع حذائي، فخلعت حذائي، ولأول مرة يمر خلال أسفاري بجهاز الأشعة الذي يكشف أي أجسام غريبة،وهذا إجراء مستجد بعد اكتشاف محاولة راكب فوق الأطلنطي إشعال عود ثقاب، وقيل إن كعب حذائه كان معبئا بالمواد المتفجرة. أخيرا وصلت إلى المدخل المؤدي إلى الطائرة التي ستقلع في الحادية عشرة، أي السادسة صباحا بتوقيت باريس التي سأتوقف فيها عدة أيام قبل عودتي إلى القاهرة، الحقيقة أن وصولي إلى باريس يعني وصولي إلى مكان مألوف، أعرفه جيدا، ولي به صلة وثيقة، ومعارف كثيرون وأصدقاء أعزاء، في باريس أكون أقرب إلى الوطن، وعندي الكثير من المكتبات التي اعتدت زيارتها، والمتاحف، والمقاهي التي أحب، أقول هذا رغم أن لغتي الأساسية هي الإنجليزية. دخلت إلى الطائرة، أوثقت الحزام، رحت أمني النفس بغفوة ولو لمدة ساعة، أحمل معي أقراصا تساعد على النوم، ورغم أن الطبيب نصحني بها، إلا أنني أكره اللجوء إليها، أخشى التعود عليها، كما أنني أكره ما هو غير طبيعي، إلا أنني إزاء طول الرحلة وعدم النوم خلال النهار قررت أن أبتلع واحدة، حتى يمكنني النوم ولو لفترة قصيرة، حددت موعد الابتلاع بعد ساعة من اقلاع الطائرة والدخول فوق المياه العظمى، أي المحيط الأطلنطي، بدأت ألاحظ أمورا غير عادية، المضيفات يرحن ويجئن، يقمن بعد الركاب وإحصائهم استغرق الأمر وقتا قارب الساعة، تم فوجئت بالطيار يعلن ضرورة مغادرة الركاب للطائرة حاملين جميع أمتعتهم والإنتظار في الخارج، هكذا حملت حقيبتي مرة أخرى وامتثلنا للأمر، كان كل منا يتطلع إلى الأخر متسائلا بالنظر، وما من إجابه، عند الباب سألت أحد المضيفين عن الأمر فقال ان ثمة خطأ في العدد، راكب ناقص! راكب ناقص يعني وجود حقيبة صاحبها لم يسافر، وهذا يفتح الباب على جميع الاحتمالات، في مثل هذه الظروف يتم افراغ حمولة الطائرة من جميع الحقائب، وينزل الركاب إلى أرض المطار للتعرف عليها، وكلما تعرف راكب على حقيبته يتم إدخالها إلى الطائرة، هكذا يتم اكتشاف الحقيبة التي تخلف صاحبها. انتظرنا في الصالة المؤدية إلى الطائرة حوالي ساعة، ثم بدأ انتظام الركاب بعد نداء من قائد الطائرة، عدنا لندخل مرة أخرى، ولنضع الحقائب في نفس المكان، ولنجلس في نفس المقاعد، لكنني قررت تغيير موعد تناول الحبة المساعدة على النوم، وابتلعتها سألت جاري الصامت عن حقيقة الأمر، فقال إنه لا يعرف، وتعجبت لأنهم لم يدعونا نتعرف على الحقائب، أقلعت الطائرة، وعندما فتحت عيني، كان الضوء خارج الطائرة مكتملا، الشمس مشرقة وزرقة المياه ممتدة، والساعة تشير إلى أن الطيران لم ينقص عليه سوى ثلاث ساعات. هل غفوت ؟ هل نمت ؟ راودني الشك: لكن كيف انقضى الوقت؟ ماذا حدث وتسبب في تأخير الطائرة وركوبنا ثم نزولنا، حتى الآن لا أعرف على وجه الدقة، ولكن المؤكد أن الطائرة تتجه إلى مدينة سأكون فيها أكثر أمنا، والفة، ولسنا مصدرا للريبة.