تثار من حين لآخر قضايا واشكاليات حول الإعلام العربي وموقعه في المعادلة السياسية ودوره في صناعة الرأي العام وصناعة القرار وعلاقته بالسلطة وهل من سلطة له؟ وهل يستطيع ان يكون سلطة رابعة؟ وبمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة والذي يصادف الثالث من مايو من كل سنة وكذلك التطورات التي شهدتها الساحة السياسية الدولية في السنة الماضية وخاصة أحداث 11 سبتمبر، كثر الكلام عن الإعلام العربي وعن قدرته على مخاطبة الآخر وتسويق الصورة الحقيقية للعرب والإسلام. اشكالية مهمة ومعقدة في الوقت نفسه لا يمكننا التطرق لها بمعزل عن الاطار العام الذي يعمل فيه النظام الإعلامي العربي، هذا الإعلام الذي في حقيقة الأمر ما هو إلا جزء من نظام كلي يتميز بخصائص ومعطيات قد تقصي هذا النظام الإعلامي من ان يكون سلطة رابعة. والملاحظة الأولى هنا تتمثل في ان معظم الدول العربية لا يوجد فيها فصل بين السلطات، فكيف نتكلم عن السلطة الرابعة، إذ اننا في الأساس نتوفر على سلطة واحدة فقط. من جهة أخرى، نلاحظ ان العلاقة بين السلطة والإعلام في الوطن العربي تسيطر عليها الابوية والزبونية والغموض، بحيث تبقى الآلة الاعلامية في نهاية المطاف تحت تصرف السلطة وفي خدمتها هي وحدها فقط، فالكلام عن السلطة الرابعة في غياب الديمقراطية وسلطة القانون واستقلالية القضاء يعتبر ضرباً من الخيال. وفي ظل هذه الاجواء الغامضة والمشحونة بالالتباس يبقى كذلك الكلام عن مخاطبة الآخر وتسويق صورة ايجابية وحقيقية عن انفسنا من عالم المستحيلات، فالذي يفشل في مخاطبة نفسه ومحيطه سيفشل في مخاطبة الآخر لا محالة. ففي منطق اللا سلطة يحتاج العالم العربي وأكثر من أي وقت مضى الى تفعيل نظامه الاعلامي والى رسم استراتيجية وخطة اعلامية وعربية واضحة الرؤى والمعالم. الإعلام العربي اليوم بحاجة الى آليات واستراتيجية وطرق تسيير وادارة تخرجه من اعلام الصالونات والبلاط الى الشارع والواقع والرأي العام، يستطيع من خلالها تحديد مكانة مرموقة له سواء محليا أو عالميا. وقبل الكلام عن استراتيجية على مستوى الوطن العربي بحيثياته وخصائصه ونقاط التشابه والاختلاف بين الـ 22 دولة عربية و280 مليون نسمة، دعنا نتطرق أولاً الى واقع الاعلام العربي على مستوى كل دولة عربية. والهدف من هذه المقاربة المنهجية هو انه يتعذر الكلام عن اعلام عربي قوي وفعال، إذا كان هذا الإعلام على مستوى كل دولة ضعيفاً يفتقر الى مستلزمات القوة والفعل ويفتقد المصداقية والجرأة في طرح القضايا الحساسة والمصيرية التي تهم الشارع. فمع الأسف الشديد نلاحظ ان غالبية الدول العربية لم تفلح في استعمال الجهاز الاعلامي كما ينبغي ولم تستغله في تجسيد مشاريعها التنموية في أرض الواقع، وإذا نجحت الدول العربية في استغلال الجهاز الاعلامي لتمرير خطاب السلطة وفي فرض الإعلام العمودي، فإنها فشلت فشلاً ذريعاً في ارساء قواعد الإعلام الديمقراطي المسئول، الإعلام الأفقي الذي ينتقد ويحلل ويبني ويشرك الجماهير في عملية التنمية والمشاركة السياسية وكذلك المشاركة في صناعة القرار وفي تقرير مصيره بنفسه. فالإعلام لايستطيع ان يكون فاعلاً ومسئولاً وحراً إذا كان خاضعاً مستسلماً ينتظر الأوامر ويخاف من تخطي الخطوط الحمراء والمحرمات. نستتج اذاً انه حان الوقت لتحديد الأولويات والاستراتيجيات فيما يتعلق بالجهاز الاعلامي والآلة الاعلامية على مستوى كل قطر عربي قبل الانطلاق في تحديد استراتجيية اعلامية عربية لمواجهة تحديات الالفية الثالثة. من جهة اخرى نلاحظ ان اشكالية علاقة السلطة بوسائل الاعلام في الوطن العربي مازالت بحاجة الى دراسة متأنية واعادة نظر صريحة وجريئة حتى تصبح المؤسسة الاعلامية في الوطن العربي مؤسسة فاعلة، تغير وتكشف وتحقق وتستقصي، واذا كانت المؤسسات الاعلامية خاضعة وتابعة ومنفذة فتصبح عملية مواجهة العولمة وتحديات الألفية الثالثة مجرد شعارات خاوية والكلام عن السلطة الرابعة مجرد كلام بدون معنى. القائم بالاتصال في الوطن العربي مازال يعاني من قوانين وعقوبات ومحرمات وخطوط حمراء لا تحصى ولا تعد، كما انه يعاني من نصوص وقوانين تشريعية تستعمل ضده بكل سهولة وبساطة، وفي ظل مثل هذه الفضاءات التشريعية والقانونية المفخخة والمطاطية والمجحفة في حق الصحافي يتجنب صانع الرسالة الاعلامية في الوطن العربي الموضوعات المهمة والقضايا الحساسة، ويتحول من الفاعل المرسل المغيّر الى السلبي الذي يقرأ ويفبرك الواقع والتاريخ وفق معطيات معينة ترضي السلطة وتمجدها. هذا الصحافي لا يجرؤ على قراءة التاريخ واستقصائه وتحليله ونقده وفق متطلبات الشارع ومعطياته الموضوعية في ارض الواقع. الملاحظ والمحلل لمخرجات الاعلام العربي يستنتج التناقضات والثغرات الكبيرة والمتعددة التي تميّز هذا الاعلام، فالمؤسسة الاعلامية العربية مازالت في الكثير من الدول العربية لم ترق الى المؤسسة الاعلامية بالمعنى الكامل للكلمة، سواء من حيث الادارة أو التسيير أو التنظيم او الهيكلة او الوسائل أو الكادر البشري او الاحترافية او الاطار القانوني والتشريعي او الميثاق الاخلاقي. ففي الكثير من الحالات نلاحظ المساومات والتجاوزات والمتاجرة بالمهنة على حساب الأصول والقوانين والاخلاقيات، وغالباً ما تستعمل المؤسسة الاعلامية لاغراض ومصالح ضيقة جداً تكون في صالح فئة معينة أو حزب معين أو تيار معين على حساب الغالبية العظمى من افراد المجتمع، واخر موضة ابتكرتها بعض الفضائيات العربية هي التجريح والتشهير في بعض الدول العربية دون سواها باسم حرية الصحافة وحرية الرأي وحرية التعبير، وهذه الفضائيات نسيت ان تبدأ من الارض التي تبث منها اذا كانت تبحث بجد عن الكشف عن الحقيقة وتنوير الرأي العام. ففي الكثير من الدول العربية نلاحظ غياب النقابات المهنية الصحافية وجمعيات الصحافيين للدفاع عن المهنة وعن القائمين بالاتصال. فميثاق الشرف من الادوات الضرورية لنجاح المؤسسة الاعلامية، ومن هنا يترتب على كل دولة عربية ان تتبنى فكرة حماية وصيانة الممارسة الاعلامية بميثاق شرف اعلامي يضعه الصحافيون المهنيون والمشرفون على المؤسسات الاعلامية بدون تدخل اية جهة سواء رسمية، حكومية أو خاصة. عربيا ميثاق الشرف ضروري لتجنب الدخول في متاهات لاجدوى من ورائها مثل المساومات والمزايدات، حيث نلاحظ في بعض الاحيان تورط بعض المؤسسات الاعلامية في صب الزيت على النار لتصعيد المواقف والازمات بدلاً من تهدئة الاجواء والدعوة للتأني والتبصر والاحتكام للحوار والنقاش والمصالحة. فالأمة العربية اليوم وأكثر من اي وقت مضى بحاجة الى وئام وتلاحم وانصهار لمواجهة التحديات التي لا تحصى ولا تعد. لا نستطيع ان نتكلم عن سلطة رابعة في غياب الصناعات الثقافية والانتاج الإعلامي العربي ومدى قدرته على التفاعل مع الانتاج العالمي وعلى تسويق الفكر والصورة الذهنية العربية. وإذا أخذنا موضوع القنوات الفضائية العربية كمثال للخطاب الإعلامي العربي أو كمثال لمخرجات الآلة الاعلامية العربية، نجد ان معظم هذه الفضائيات ركزت على التكنولوجيا وأهملت الرسالة ومعظم هذه الفضائيات تفتقر لخطة ولاستراتيجية ولميزانية لانتاج الرسالة الإعلامية الهادفة التي تواجه بها التدفق الإعلامي العالمي الغزير. وأصبحت العملية عبارة عن البحث عن المال والشهرة على حساب الفعل الإعلامي الإيجابي والمسئول. تحديات الالفية الثالثة في مجال الاتصال والمعلوماتية متشعبة ومتعددة وخطيرة في الوقت نفسه، والعالم العربي يجد نفسه اليوم أمام واقع يحتم عليه التحكم في التطورات التكنولوجية الهائلة في مجال الاعلام والاتصال ومواكبتها، وهذا لا يعني التحكم في التكنولوجيا دون التفكير في الرسالة والمحتوى والانتاج، بعبارة أخرى في المخرجات. والتحدي الكبير الذي يواجه العالم العربي هو حماية وصيانة الهوية الثقافية والحضارية للأمة العربية وشخصيتها القومية ومواجهة الذوبان في الثقافة العالمية ـ الأميركية ـ التي لا تعترف بالحدود ولا بالقيم ولا بالآخر. التحدي الأكبر الذي يواجه الدول العربية في مجال الإعلام هو تحرير هذا الإعلام وتحرير الطاقات والمهارات والابداعات. التحدي يتمثل في الاستغلال الأمثل للقدرات والطاقات والامكانيات المادية والبشرية لارساء قواعد ومستلزمات صناعة اعلامية متطورة رشيدة وفعالة وقوية، تستطيع ان تنافس وان تقنع وأن تسوق الافكار والقيم والأصالة والهوية العربية للآخرين. كل هذه الأمور تتطلب الدراسة والبحث واقامة علاقة متينة وتفاعل وتبادل وحوار صريح بين السلطة والمؤسسة الإعلامية والقائم بالاتصال والجمهور من أجل ارساء قواعد الثقة والمصداقية والفعالية في الأداء، بعبارة أخرى الفصل بين السلطات واستقلالية القضاء واستقلالية المؤسسة الإعلامية عن كل نفوذ سياسي أو مالي، وإذا خرجت هذه المؤسسة عن الاطار القانوني فإنها تمثل أمام القضاء كغيرها من المؤسسات المختلفة في المجتمع بشرط ان يكون هذا القضاء مستقلاً وعادلاً. التحديات تتطلب الانتاج واعطاء البديل وتأكيد الهوية والذات، وهذه الأمور لا تتحقق إلا بالدراسة والبحث وتوفير الامكانيات المادية والبشرية والميزانيات المعتبرة حيث «ان فاقد الشيء لا يعطيه». معركة القرن الحادي والعشرين ستكون معركة إعلامية اتصالية معلوماتية يحسم نتيجتها مسبقاً من يعرف كيف يستغل تكنولوجيا الإعلام والاتصال وصناعة المعركة، ومن يوفر جو الحرية والديمقراطية للابداع والابتكار والحوار الديمقراطي البنّاء والفعال. ـ قسم الاتصال ـ جامعة الشارقة