لا أدري كم من القراء العرب طالعوا أو توقفوا عند فقرة معينة بشأن «مسئولية» تنظيم «القاعدة» عن احداث سبتمبر الاميركية وردت في سياق مقابلة مطولة أجرتها صحيفة «الوطن» القطرية مع الرئيس اليمني علي عبدالله صالح. كان سؤال الصحيفة المتعلق بهذه المسألة تحديداً هو: هل قدمت لكم الادارة الاميركية أدلة قاطعة على قيام تنظيم «القاعدة» بأحداث سبتمبر؟ وكان نص اجابة الرئيس صالح كما يلي: «نحن مثلنا مثل بقية أقطار الوطن العربي وربما العالم كله لم نستلم الأدلة الكافية حول ما حدث. ولكن الولايات المتحدة تعتقد بأن لديها الأدلة والقناعة الكافية، والعالم مقتنع بقناعة أميركا». الآن تتفجر داخل الولايات المتحدة نفسها أزمة سياسية بشأن هذه المسألة ليست بأقل دويا من تفجيرات نيويورك وواشنطن في اليوم الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. الآن تعلن الاغلبية المعارضة داخل الكونغرس الاميركي بمجلسيه على الادارة الاميركية والعالم انها ليست مقتنعة. ومن ثم فإنها تطالب ـ بعد ثمانية شهور من الزلزال ـ باجراء تحقيق. على نحو فجائي تفجرت الازمة السياسية الاميركية في وجه ادارة بوش. لكن رغم زخمها الدرامتيكي فإنها مشوبة بغير قليل من الغموض المثير. فما هي القصة؟ البداية كانت تصريحا الاسبوع الماضي صادرا عن البيت الابيض جاء فيه ان ادارة بوش تلقت قبل 42 يوماً من وقوع تفجيرات نيويورك وواشنطن، تقريراً استخباراتياً تضمن تحذيرات من ان تنظيم «القاعدة» ربما يحاول خطف طائرات ركاب، وكأن اعضاء الكونجرس من «الحزب الديمقراطي» المعارض كانوا بانتظار صدور تصريح أو بيان من هذا القبيل عن ادارة بوش.. فجاء رد فعلهم الفوري كاعصار صحراوي عنيف متخذ هيئة سؤال تجريمي كبير: لماذا لم يتحرك الرئيس بناء على ما تلقى من تحذيرات خطيرة؟ ولماذا تكتم اصلا على هذه المعلومة.. ولماذا لم يخطر مجلسي الكونغرس بها؟ وانطلاقا من هذه الاسئلة طالب «الديمقراطيون» باجراء تحقيق شامل في الامر كله من أوله لآخره. وبالطبع دافعت ادارة بوش عن موقفها. قالت مستشارة الامن القومي كوندوليزا رايس ان التقرير الاستخباراتي لم يكن تحذيراً فلم يتضمن توقيتا محدداً أو مكاناً محددا. وقال الرئيس بوش نفسه : «لو علمت بأن العدو سيستخدم طائرات للقتل في ذلك الصباح المشئوم لكنت فعلت كل شيء بوسعي لحماية الشعب الاميركي» مقللا بذلك من قيمة التقرير. لكن يبقى السؤال الاكبر: لماذا تجاهد ادارة بوش الآن لتفادي اجراء تحقيق في الامر برمته؟ باستثناء استجوابات جرت لمئات الافراد المعتقلين وكلهم تقريبا من العرب والمسلمين تحاشت ادارة بوش تماماً حتى الآن ولمدى ثمانية شهور متصلة اجراء تحقيق شامل على اساس تقصي الحقائق في احداث 11 سبتمبر للتوصل الى خلاصات قانونية محددة بشأن كيفية حدوث ما حدث ومن المسئول تدبيراً أو تنفيذاً، وإلا لماذا لم يقدم حتى الآن فرد أو أفراد الى المحاكمة؟ هنا يبرز سؤال اشتباهي: هل تحاول ادارة بوش التستر على احد ما غير تنظيم «القاعدة» ربما يكون هو المسئول فعليا عن تدبير وتنفيذ ضرب مركز التجارة العالمي ومبنى وزارة الدفاع؟ جماعة أميركية متطرفة مثلا؟ اكثر من ذلك فإن الادارة بذلت اقصى جهودها لاعاقة الكونغرس عن اجراء اي تحقيق في الامر. وعلى سبيل المثال بدأ الكونغرس في فبراير تحقيقاً مشتركاً في مجلسيه حول انشطة وكالات الاستخبارات المركزية «سي. آي. إيه» بشأن احداث سبتمبر. لكن مسار التحقيق ما لبث ان توقف بسبب عدم تعاون قادة الوكالة. ولمدى اشهر طويلة بعد الاحداث كان رجال ادارة بوش يمارسون بشكل سري ضغوطاً على الكونغرس لكي لا يفتح تحقيقات حول الأمر. الآن ومع تلاشي هستريا الارهاب الداخلي ومناخ الترعيب الذي اشاعته ادارة بوش ربما رأى اعضاء الكونجرس «الديمقراطيون» ان الوقت قد أزف للمطالبة باجراء تحقيق في احداث سبتمبر مستغلين اقرار الادارة بأنها تلقت تحذيراً قبل وقوع الاحداث لم تتعامل معه بجدية كما يتهمها خصومها. وتزداد الشبهة الآن حول رجال الادارة بجنوحهم الى منع اي محاولة لتقصي الحقائق ابتداء من 11 سبتمبر. فنائب الرئيس ديك تشيني يصرخ «محذراً» من ان مثل هذا التحقيق يعرقل الاستعدادات لمواجهة احتمال «هجوم ارهابي» جديد على الولايات المتحدة. هذا «التهويش» ربما يخفي تخوفا من انكشاف فضيحة كبرى. ولذا فإن احداث الايام والاسابيع المقبلة داخل المسرح الاميركي ربما تكون أشد إثارة من مسلسل «دالاس»!