يتواصل المشهد العبثي في فلسطين الى درجة ان المصطلحات فقدت معانيها المتعارفة ولم يعد أحد يفهم ماذا يجري بالتحديد وما هي الحلول الممكنة لهذه الكوارث المتلاحقة. أحداث وقعت ما كانت تخطر على بال عربي واحد منذ شهور: مروان البرغوثي العضو المنتخب في المجلس التشريعي (البرلمان الفلسطيني) العضو في اتحاد البرلمانات العربية!! الذي هو كذلك عضو في اتحاد البرلمانات العالمي.. توثق يداه كأي شاب قاعدي الى ظهره ويؤخذ الى السجون.. ولا أحد يتحرك بداية من رجال السلطة الذين لم يضعوا على الأقل شرط اطلاق سراحه ليبدأوا جولة التنازلات. وأحمد سعدات الأمين العام لجبهة تحرير فلسطين (الجبهة الشعبية) أخذ مسئولية القيادة بعد اغتيال الشهيد أبو علي مصطفى كأي رجل من رجال المنظمات التي تتكون منها منظمة التحرير ثم السلطة الفلسطينية، وقع تسليمه باليد الى جلاديه.. وشباب تسميهم اسرائيل «مشتبهاً فيهم» دون تهمة محددة يرحلون الى شتات أوروبي في سابقة فلسطينية وحتى دولية خطيرة، بحيث عجز القانون الدولي عن ايجاد تعريف قانوني لوضعهم هناك في اسبانيا واليونان وايطاليا وغيرها. فهم يحملون تهمة معروفة واحدة لا ثانية لها وهي الهوية الفلسطينية. وعلى هذا المشهد العبثي تتواصل وتتكرر نداءات «الاصلاح»! اصلاح ماذا ولماذا وبماذا؟ أي اصلاح على أنقاض فلسطين؟ فقد كتب جيمس زغبي منذ يومين يقول: ماذا بقي من فلسطين؟ الطرقات خُربتْ والجسور دُمرتْ والمستشفيات أُخْلِيَتْ والمدارس أغلِقَتْ والحقول أحرِقَتْ والبيوت جُرفتْ والمياه انقطعت والكهرباء عُطلتْ والناس استشهدت ومقرات الأمن مُسِحَتْ.. وحتى دار الاذاعة والتلفزيون ووكالات الانباء دُكتْ.. ماذا بقي من فلسطين حتى نطالب بالاصلاح؟.. إن هذه الأنقاض تحتاج الى اخراج الجثث واعادة المياه والكهرباء، ثم نحتاج الى دفن الشهداء الابرياء ليواروا التراب على الأقل مُكرمين.. أي اصلاح لهذه المدن الأشباح؟.. جنين.. رام الله.. بيت لحم.. نابلس.. أي اصلاح لوطن شهيد لايزال يلملم جراحه والعالم من حوله أصمّ أعمى لا يسمع ولا يرى، بل تقول له اسرائيل كما قال فرعون: لا أريكم إلا ما أرى. فالمصطلحات لم تعد تحمل معانيها. إن استراتيجية شارون المدعومة بادارة الرئيس بوش تمثلت في سياسة الأرض الفلسطينية المحروقة بعد سياسة الأرض الفلسطينية المسروقة. لكل نصف قرن صهيوني استراتيجية مدروسة يضعها حكماء صهيون ولا يقرؤها حكماء العرب. منذ مؤتمر بازل بسويسرا عام 1897 تقررت على لسان تيودور هرتزل سياسة الأرض المسروقة واعتمدتها بريطانيا وأميركا وألبستها رداء المزاعم الصهيونية الخرافية في حق العودة والأرض الموعودة، وحين صادق الكونغرس الاميركي على وعد بلفور عام 1917 رغم انه وعد بريطاني، قال الرئيس الاميركي ويلسن آنذاك: اليوم زرعنا في منطقة الشرق الأوسط حارساً لثورة النفط (راجع كتاب ريوبن فنك: أميركا وفلسطين ـ نيويورك 1945). وهكذا انعقد مؤتمر النفط العالمي في فبراير 1918 من أجل تنسيق شحنات النفط بين أمريكا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا، بعد ان انعقد في مارس 1916 مؤتمر سايكس بيكو وخطط للقضاء على الدولة العثمانية واقتطاع وطن قومي لليهود. تجلت سياسة الأرض المسروقة منذ ان ظهر ذلك الشعار الخادع المضلل الذي أطلقه وليام بلاكستون عام 1888 وهو: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. وبلاكستون (1841 ـ 1935) من أتباع الكنيسة الايفنجلية المؤمنة بالمسيحية اليهودية، نفس الكنيسة التي انتمى اليها ريغان وبوش الابن، وأصبحت معتقداتها الخرافية في عودة المسيح بعد بناء الهيكل، نظريات سياسية تسوق بقوة السلاح والقتل وقوة الحرب النفسية والإعلام وكلها ترتكز على سياسة الأرض المسروقة. وازاء هذه السياسة عجز القانون الدولي وبنود ميثاق منظمة الأمم المتحدة عن حل العقدة وايجاد اتفاق دولي لانصاف الشعب الفلسطيني. وها نحن وصلنا مرحلة الأرض المحروقة حين تعاند المقاومة الفلسطينية وتشتد وترفض المساومة على الأرض المسروقة. فلا سلاح ممنوع ازاء الشعب المقموع.. كل الوسائل متاحة لتحقيق الغاية الخرافية وتفريغ فلسطين من شعبها وإتمام تهويدها بالكامل. على هذه الخلفية العبثية تظهر لنا ملهاة الاصلاح حتى نصاب بفقدان الذاكرة الفلسطينية والعربية والاسلامية ونأخذ طبلاً مع المطبلين ومزماراً مع المزمرين ونهلل منادين بالاصلاح ومقاومة الفساد والرشوة وتعويض فلان بعلاّن وبعث.. وزارة للبيئة وأخرى للعلاقات مع المجلس التشريعي واعادة صياغة السلطة وربما الاستغناء عن ياسر عرفات أو الاحتفاظ به «ختياراً» فلكلورياً من أجل الصورة.. أية اصلاحات تنسينا شهداءنا الأبرار واصرار الأحرار.. والقسم الذي أداه الجيل الماضي على العودة للدار في حيفا والناصرة والخليل؟! هذه هي مسئولية جيل العرب الراهن مسئولية تاريخية وأخلاقية حتى لا تنطلي علينا تلك المخادعات وننساق وراء الاصلاح الوهمي بعد تدمير كل شيء.. انهم يستهدفون أمتنا كلها بدءا بقلبها النابض: القدس. ـ أستاذ في قسم الإعلام ـ جامعة قطر