في الوقت الذي تصف فيه الصحافة العالمية قرار مجلس الامن الاخير رقم 1409 بأنه تعديل ايجابي في مصلحة العراق لنظام العقوبات المفروضة عليه منذ عقد من السنوات، نجد العراق، يصف هذا القرار بأنه «جائر» وانه يمهد «للعقوبات الذكية» المزمع تطبيقها على النظام العراقي، الذي ذهبت آلته الاعلامية الى «أن أميركا جاءت بهذا القرار ليشكل مخادعة ظاهرها انها تسهل للشعب العراقي استيراد احتياجاته الانسانية، بينما ينطوي باطنها «كما يدعون» على تعطيل النهضة التنموية للعراق!». يؤذن الوضع العراقي بالدخول في فصل جدي وجديد في المرحلة القادمة تتغير فيه المعادلات السائدة حتى الآن، ففي هذا الوقت الذي صدر فيه القرار، عقدت ندوة في العاصمة الالمانية برلين، تحت عنوان «الشرق الاوسط بعد صدام حسين»، دعا اليها قسم العلاقات الدولية في مؤسسة «فردرش ايبرت» وهي مؤسسة بحثية تابعة للحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم «الذي يرأسه المستشار شرويدر» وادارها الدكتور ميشائيل لويدر، وهو متخصص في شئون السياسة الدولية، وحضرها عدد من نواب البرلمان الالماني وكبار موظفي الخارجية، وجرى البحث فيها عن احتمالات مصير العراق في المستقبل، وموقف الدول الست المحيطة المعنية بالشأن العراقي في حالة ما اذا تقرر اخذ موقف نشط من العراق يقود الى التغيير. ان تعقد مثل هذه الندوة في العاصمة الالمانية، ويدعى اليها مجموعة من المتخصصين في هذا الوقت بوجه خاص، قبل وصول الرئيس الاميركي جورج بوش الى العاصمة الالمانية بأيام قليلة في أول زيارة له لوسط أوروبا «خاصة ان المانيا هي الحليف الرئيسي الثاني بعد بريطانيا للولايات المتحدة» لهو أمر يعني لمن يريد ان يقرأ الاحداث بالنظارة الجديدة، «نظارة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001» أهمية ومركزية خاصتين، فهو يعني ـ ضمن ما يعنيه ـ أن الامور مأخوذة بجدية لا تقبل إلا تفسيراً واحداً، هو ان العالم لم يعد يقبل ان تترك الأمور دور معالجة لفترة طويلة من الزمن، لان الثمن البديل سيكون كبيراً، بل فادحاً. قرار مجلس الامن الاخير يعني ان الموضوع العراقي لم ينته بعد، بل لعله بدأ يطرح في الساحة العالمية بشكل جدي، فالقرار الاخير ينزع من الحكومة العراقية ورقة ظلت تلوح بها لفترة طويلة، وهي ورقة «جوع الاطفال العراقيين». كان ذلك الأمر يسبب حرجاً للرأي العام العالمي، رغم معرفة كثيرين ان جزءاً كبيراً مما يعرض هو مختلق من الاجهزة والمنظومة الاعلامية «العراقية». والآن باصدار قرار مجلس الامن حرر العالم من هذا الارق فبعد تطبيق القرار الذي صدر، واطلق يد الحكومة العراقية في الاستيراد، سيكون السبب الرئيسي لاي تقصير هو متخذ القرار العراقي نفسه. ولكن السؤال الباقي بعد ذلك هو: ما هي اجندة العراق التي يريد ان يتعاطف معها الآخرون بعد اقرار التوجه الجديد؟ فموضوع الاطفال قد انتهى ومثله موضوع الحرمان والجوع، ومن ثم لن تكون هناك فرصة حتى لاكثر المتحمسين شططاً بعد الآن، لتبرير حرمان اطفال العراق أو شعبه من التعليم والتطبيب ووصول الغذاء المناسب له، كما لن يتم القاء مسئولية ذلك على عقوبات مجلس الامن، ولو حدث هذا فإن الوحيد الذي سيوجه اليه اللوم هو العراق نفسه، ونقص الكفاءة الشديد في اجهزته. إلا ان الموضوع اكبر من ذلك كما اشرت ويتمثل في التساؤل الذي طرح في الندوة عن بقاء أو عدم بقاء النظام الحالي في بغداد، وهو الامر الذي يناقش بكثافة في الاوساط الغربية المهتمة. لقد بدأ الاصطفاف باتجاه التغيير، فالحكومة العراقية مطالبة في القريب العاجل بأن تقبل لجنة التفتيش الدولية، دون قيد او شرط، للقيام بعملها في سائر انحاء العراق، وهذه اللجنة قد تصل الى نتيجة مفادها ان ثمة دلائل على وجود تحرك عراقي لاعادة التسلح الكثيف المحرم، كما تقول المصادر المتاحة، ووقتها سيكون المجتمع الدولي مضطراً الى اتخاذ اجراءات رادعة، قد تقود في نهاية المطاف الى التغيير في بغداد. الوضع القائم في منطقة الشرق الاوسط يشير الى قرب حدوث تغيرات لم نتعودها من قبل، وهذه التغيرات سوف يبدأ أولها من بغداد، كما تشير كل الادلة. الجوار الجغرافي للمنطقة العربية يتبنى سياسات جديدة تسمح وتتسامح مع ذلك التغيير، فأنقرة ـ كما قال الخبير التركي في الندوة ـ لم تعد العقدة الكردية تعني لها شيئاً كثيراً، فالاتراك اصبحت لديهم الآن قناعات مفادها ان المشكلة الكردية في جنوب تركيا لن تؤدي الى انفصال في حالة حدوث تدخل اجنبي في العراق، وذلك لعدد من الاسباب اولها السبب الاقتصادي، الذي يجعل اكراد تركيا في وضع افضل من جيرانهم في الجنوب، وكذلك وضعهم السياسي، الذي سوف يزداد تحسنا بانضمام تركيا الى السوق الاوروبية المشتركة. الايرانيون لم تعد لهم طموحات في اقامة دولة «دينية» كما قال المتحدث الايراني، فتوجه طهران يغلب المصالح الايرانية الاقتصادية والسياسية مع الجيران على غيرها من الاولويات، كما تتجه طهران الى وضع معتدل اقرب الى حكومة اسلامية «ثقافيا» وقومية «من ناحية المصلحة»، والتجربة التي مرت مع افغانستان دليل على هذا التوجه الجديد، فلم تمانع طهران في اقامة حكومة وطنية في افغانستان، بل ساعدت على قيامها. البعض يفترض ان اي تغيير في العراق يجب ان يسبقه تعديل أوضاع الفلسطينيين، كما قال المتحدث الفلسطيني، بحيث يتم الوصول بالمركب الفلسطيني الى مرفأ يتصف بقدر معقول من الطمأنينة السياسية المستقبلية، ربما اقله السيطرة على التوسع الاسرائيلي، والتأكيد على اقامة دولة فلسطينية في المستقبل، هذا الامر يمثل لدى البعض اولوية لاي عمل دولي في العراق، وقد يكون كذلك. الجناح العربي، الذي هو ليس بفاعل كثيراً، ولكنه على الورق ـ في الاقل ـ قد اكد اكثر من مرة معارضته للتدخل الخارجي في العراق، مشترطاً امتثال الحكومة العراقية لقرارات مجلس الامن الخاصة بالعراق، وحل الموضوعات العالقة، وواضح ان هذا الامتثال يراوح في حدوده الدنيا اليوم، وبالتالي فإن الدول العربية سوف تكون في حل من ان تتقيد بما وعدت به. غداً يصل جورج بوش الابن الى اولى محطاته الاوروبية وعلى الرغم من النشاط الذي سوف يبديه معارضو العولمة المنضوون في الجماعات الالمانية، حيث تخرج التظاهرات ضد اتجاهات اميركا في مجالات عدة سياسية واقتصادية وثقافية، إلا ان الحكومة الالمانية وبقية حكومات أوروبا يبدو انها قد عقدت العزم على مسايرة الرأي السياسي الاميركي في الشرق الاوسط، وهو رأي يقول بأن ترتيب المنطقة الشرق اوسطية وكبح احتمالات التفجر، يمثل اولوية للسياسة العالمية، لابد ان تأخذ دورها على الاجندة الدولية، وان تعجل القوى الفاعلة في العالم بوضع حلول شاملة لها، لان تجاهلها الآن سوف يكون له ثمن باهظ في المستقبل ويدلل على ذلك احد رسوم الكاريكاتير في صحيفة المانية، حيث نشرت الصحيفة رسما لعضو في حزب الخضر وهو جالس في البرية بعيداً عن العمران، يرفع لافتة تعارض سياسة الرئيس الاميركي، وبجانبه زوجته تقول: ان شاء الله لا احد يسمعنا! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت