الامراض التي نحاربها هي نفسها في احيان كثيرة نكون مصدرها، نمارس الشيء وضده في الوقت نفسه، نستنكر على الاخرين ان يقوموا بفعل ما ونخلق المبررات، التي نقنع انفسنا بأنها منطقيات سليمة تخولنا لعبور الحواجز او كسرها عنوة..ثم نقول حينما تحاصرنا الحقائق هذا حال البشر! «دبر عمرك» عبارة نوصي بعضنا البعض بها عند القيام بأي مهمة، وهي مفيدة في اصلها لانها تحث الفرد على تصريف اموره دون الحاجة للاعتماد على الغير، وهي مهمة لانها ملهمة للتفكير والخيال، وهي مهمة لان من يقولها لك تشعر انه يحثك ويرد لك اعتبارات ذاتك، ويقول لك انت لها. لا يوجد غبار على العبارة، لكنها في مواضعها المستخدمة حاليا وخصوصا عند المراجعين البسطاء الذين يتوجهون الى الدوائر والمؤسسات والذين لا يحملون كروت واسطة، او يسبق سعيهم اليها اتصال من نوع خاص، او توصية مبيتة، اولئك الناس الذين على باب الله، والذين لا حول لهم ولا قوة، والذين لم تتفتح اعينهم على الابواب الخلفية التي يدلف اليها المراجعين من ذوي الدرجة الامتياز دون توقف او سؤال.. هذه العبارة البسيطة تكون عند اولئك كاشارة البدء التي تطلق للعداء عند بداية المضمار الشاق. فالمحسوبية والمعرفة والتوصيات كلها أوراق رابحة اليوم لتخليص اي معاملة او طلب، او رجاء، او حتى حق اجرائي بسيط يفترض انه لا يحتاج الى هذا القطار الضخم ليدفع الحال الى افضل مما هو عليه.. لهذا تجد ان اغلبنا يفكر بالطريقة المزدوجة تلك، وبالنبرة الانفصامية المرضية، فحين تثار مسائل المحسوبية تجد نفسك اول من يتحدث ضدها، تلعنها وتركل الوقت الذي رماك عليها، او لحاجتها وتقول أنا لا اوافق على مثل هذا الاجراء، فكل الناس سواسية، وكل المراجعين يحق لهم ما يستحقون بالدرجة نفسها، لا فرق بين فلان وعلان.. ثم فجأة وفي موضع اخر تجد نفسك تندفع الى ممارستها، فتقول لاحدهم «دعه يأتي الى الدائرة وسأتدبر انا الامر»، «قبل ذهابك الى الكاونتر الفلاني اتصل بهذا الرقم وقل له انا من طرف فلان». «دبر عمرك».. الا هذه العبارة التي تحمل الوجهين المتضادين، فحينما تقال لك، فهذا يعني انك مكشوف ودون سند فاذهب ولا تنس الدعاء بالفرج، او انك جرب الاتصال بعلان ودبر عمرك معاه.. بالنسبة لي لا اعرف كيف تمت صياغة هذه العبارة على هذا النحو، فعمرك هو عدد السنوات التي قضيتها منذ خروجك الى الدنيا وحتى لحظة احتياجك لمراجعة مسئول. وان تتدبر امر هذا العمر فهذا يعني ان تلازم الحرص في بناء تاريخك الشخصي وكيانك الذي تبنيه بالتعلم وبالتجارب «طوبة طوبة».. لكن ان تستخدم خبرة هذا العمر بلحظاته المرة الكثيرة ولحظاته الحلوة القليلة في تخليص معاملة، او المراجعة في امر هام، او ان تحصل على موعد قريب لامر يتعلق بصحتك، او استقرارك، او شيء يهمك فهذه كارثة. على فكرة..هناك فعلا من اجاد ويجيد تدبير «عمره»، وهناك من ضاع في الطوشة «وابتلش».. «دبر عمرك» بالمحلية و«تدبر امرك» بالفصيح. الامر سيان. حتى في العام 2030 يبدو اننا سنحتاج هذه العبارة السحرية.