قبل عقد كانت اميركا تحت ولاية كلينتون ترفل بنعمة الاهتمام بالناس اولا وهو البرنامج الانتخابي الذي قدمه ونائبه آل جور للدخول الى عالم اميركا لادارة دفة العالم الاكبر بأقطابه المتعددة سياسيا. وكان عنوان تلك الادارة في «رؤية تغييرية» وقد مضت تلك الرؤية لدورتين انتخابيتين ناجحتين رغم عاصفة مونيكا الا ان شجرة كلينتون استطاعت ان تنحني قليلا حتى مرت بسلام عليه وعلى منتخبيه الى ان جاء بوش وكان عهد فاتحة «محور الشر»، كما كان عهد سابقه «محور خير» وعافية واضحة على اقتصاد امريكا بشهادة المختصين. فالاهتمام الذي كان يبديه كلينتون في ولايته للناس «الاميركيين» على وجه الخصوص وهو ما يتعلق بالشأن الداخلي سواء من الجنسية الاميركية او غيرها وهو المبدأ الذي تقوم عليه اساسيات حقوق الانسان الذي اختار العيش في هذه القارة بغض النظر عن صفته البشرية دينيا، سياسيا، لونيا.. الخ. فهذه الرؤية اليوم اختلفت بمقدار مقاييس الزلازل المدمر، فقد اصبح «الناس» او الانسان في اميركا موضع الاختيار الاول والبحث عن تفاصيل حياته الدقيقة هو الهم الشاغل للساسة اولا ومن ثم لرجال الامن بكافة مستوياتهم في مؤسسات الـ «سي اي ايه» والـ «اف بي اي» وصولا الى المؤسسة العسكرية التي من شأنها خوض الحروب الميدانية، بكل ما اوتيت من قوة العلم والجسم. حدثت مفارقة واضحة في خطين منفصلين لا يريدان في عهد بوش الثاني ان يلتقيا لصالح «الناس» الذين سعى اليهم كلينتون ونائبه وفق البرنامج الذي حملهما الى سدة الحكم لهذا العالم المغري. فالرؤية التغييرية السابقة لم تصمد امام الهزة الجوية والارضية التي سببت الارهاب للثوابت الاميركية طوال العقود الماضية فالطريقة التي تتبعها اميركا اليوم لمعالجة مشكلاتها في العالم اجمع لم تعد تعطيها الفرصة لأخذ النفس العميق فهي تفكر بشكل متقطع بل مختلف عن السنوات الساحرة السابقة. يفترض ان تكون اميركا بما تملك من امكانات اكثر قدرة وعقلانية في التعامل مع الخط الارهابي الذي تجاوز كل الخطوط الحمر في السياسة الاميركية الخارجية والداخلية، فهي على اتم الاستعداد لمحاربة العالم من اجل الدفاع عن نمط الحياة الاميركية الخاصة بها، وهي ماضية بكل قوة رغم وجود الطرف الاوروبي وعلى رأسه فرنسا التي تنتقد هذا التوجه الاميركي بشدة وهي التي وصفت ما فعلته اسرائيل في «جنين» بأنه لم يخطر على بال الجندي الفرنسي اثناء ممارساته الوحشية في عز فترة استعمارها لبعض دول العالم المتخلف آنذاك. نقول لاميركا بأن «الناس» هم اصل المسألة كلها احبابا كانوا ام اغرابا، وهم اسس الحضارات التي تفتخر بانجازاتها فما يدور الآن على الساحة الاميركية بعيد كل البعد عن الحضارة المغناة على لسان الساعين للهجرة الى تلك القارة الرومانسية مقارنة بالقارة الاوروبية، فأميركا فعلا كانت الحلم قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م واصبحت بكل أسف وأسى دون ذلك بكثير وقد ساعد على هذا التردي الحضاري قلة من العقلاء الذين عاشوا الصدمة ولم يفيقوا منها وكان المتوقع منهم التدخل لوقف هذا النوع من التدهور في نسيج التاريخ الأميركي المعاصر الذي سوف يدرس عمليا للاجيال المقبلة. هل من عودة جادة الى اميركا «للناس» جميعا حتى من باب الرد على افعال الارهابيين الذين سعوا بأفعالهم المشينة الى هدم الانسان من الداخل وهو الجوهرة التي سخّر لها رب العالمين امكانيات البشرية من اجل اسعادها، فأميركا بصورتها اليوم ليست اميركا ولن تستمر على ذلك طويلا اذا كان لصوت العقل والحكمة والكياسة كرة لتعديل موازين القوى الاجتماعية في المجتمعات التي تجلس على قمة الحضارة البشرية فأميركا قادرة ان تبقى كذلك فلماذا آثرت ان تحرم العالم من ذلك؟!!