الإرهاب غير صورة أميركا التي كانت تمثل النموذج المدني الذي قلما يُشم فيه رائحة للعسكرة المنفرة غالبا لمن يتعلق بالنماذج المتكاملة في الدول التي قلما تتغير جذورها بتغير الظروف العالمية. الهاجس الأمني والعسكري طغى على الكثير من الجوانب المشرقة في هذه الحضارة التي غطت على اوروبا بشهادة أهلها في قضايا عالمية يتم تداولها في معظم الاجتماعات المشتركة بين القطبين من باب المصالح المشتركة. اندفاع أميركا الشديد نحو التغييرات السريعة في أنظمتها التي كانت تتميز بالثبات لفترات طويلة، يتطلب من الكثيرين إعادة التفكير في النظر للتواجد على سطح هذه القارة التي كانت في يوم ما مهبط قلوب الراغبين في الحصول على الاقامة الدائمة أو المؤقتة أو التجنس فيها واستبدالها بالجنسيات الأخرى. هذه الصورة لم تعد كذلك، حتى لدى طلاب العلم الذين بدأوا يبحثون عن بدائل أوروبية وآسيوية، لتجنب الشبهات التي بدأت تلف أنظمة التعامل الرسمية مع الغرباء في اميركا بلد الحريات! إن العسكرة بعد المدَنْية أمر يشوه من تلك الصورة الزاهية عن أميركا من الداخل، فهذا الغبار الكثيف الذي لفها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م لا يزال بالمزيد من التشدد المبالغ فيه أحيانا، فالصقل المتدرج لمرآة اميركا في العالم أفضل من هذه العجالة التي تقلل وتنزل من قدرها أمام الآخرين. نسمع اليوم أن اميركا بصدد اجازة أكبر موازنة عسكرية منذ عشرين عاما، هذا ما صادق عليه مجلس النواب في قانون لتوجيه موازنة الدفاع الذي ينص على رفع كبير لاعتماداتها ما يعكس كلفة الحرب ضد الإرهاب وأولوية تحديث العتاد العسكري. وينص القانون على موازنة عسكرية بقيمة ثلاثمائة وثلاثة وثمانين مليار دولار لعام 2003م بارتفاع خمسين مليار دولار وهي أكبر موازنة على الاطلاق منذ عقدين مضيا على أميركا. ولن يقف هذا الارتفاع عند ذلك الحد، بل سيواصل الارتفاع خلال السنوات الأربع المقبلة، ويفترض أن تبلغ نفقات عام 2007م حوالي اربعمائة وواحد وخمسين مليار دولار، حيث جرى التصويت على ذلك بغالبية ثلاثمائة وتسعة وخمسين صوتا مقابل ثمانية وخمسين صوتا. هذه العسكرة الواضحة في تحرك أميركا نحو المستقبل، تؤدي الى تراجع اولوياتها الداخلية السابقة، والتي كانت محصورة في التعليم والصحة والضمان الاجتماعي .. الخ، وهي عوامل القوة في رأسمالها البشري وهو العماد الأول لحضارة أميركا ووجهها الذي تفاخر به بقية الأمم، عندما تعقد المقارنات في المفارقات بين أميركا كقطب فريد وأوروبا في الدرجة الثانية وبقية العوالم التي تنتمي الى الأول أحيانا كبريطانيا والثاني أحيانا أخرى كاليابان في الجزء الآسيوي من العالم الأكبر.