تحول ليوبولد فايس الى الاسلام واصبح اسمه هو محمد أسد .. كان ذلك كما حكينا لك في حديث سبق في عام 1926 وكان عمر ليوبولد او على الاصح «محمد» هو ستة وعشرون عاما ... وحين لبى الرجل نداء القضية الجديدة التي انشرح لها صدره كان طبيعيا ان يشد الرحال لفوره من مسقط رأسه في فيينا ومن موقع عمله الصحفي المرموق في برلين ـ الى ارض الحرمين في مكة والمدينة حاجا ومعتمرا ومقيما يستكمل دراسته وتفقهه العميق في العربية وفي الديانة وتاريخها وفي القرآن وفي الحديث، ست سنوات امضاهن محمد أسد في ارض الحجاز وقد لخص المحصلة في سيرته الذاتية التي كتبها بعد نحو خمسين عاما بعنوان «الطريق الى مكة» فقال: هذه الدراسات الطويلة اوصلتني الى قناعة عميقة بأن الاسلام، بوصفه ظاهرة روحية واجتماعية، وبرغم مشكلات ارتبطت بقصور في المسلمين انفسهم، ما زال يمثل اعظم القوى الروحية الدافعة لمسيرة البشر الى الامام. في عام 1932 سافر الحاج محمد أسد الى الهند وقادته المصادفات الطيبة الى لقاء الشاعر الفيلسوف المسلم محمد إقبال وبدأ الاثنان في عمل دؤوب من الناحيتين الروحية والفكرية لبناء كيان جديد يضم الملايين من مسلمي الهند وقد حمل فيما بعد اسم .. باكستان التي اعلن تأسيسها ـ كما تعرف ـ في عام 1947 ويومها كان طبيعيا ان يسافر محمد أسد للاقامة في هذا الكيان الفتي الجديد وكأنما هو يتبع راية الاسلام اينما حلت على اختلاف البقاع والاصقاع .. وكانت الدولة المسلمة الجديدة عند حسن الظن بالرجل ولذلك ترجمت اخلاصه لها وحدبه على نشأتها بأن استخدمته رئيسا لقسم الشرق الاوسط بوزارة الخارجية الباكستانية وبعدها بعثته مندوبا لباكستان لدى منظمة الأمم المتحدة في نيويورك وهو المنصب الرفيع الذي توج به محمد أسد حياته العملية الى ان استقال منه عام 1952 كي يتفرغ لانجاز اعماله الفكرية وطروحاته العلمية التي دارت حول محور جوهري هو الاسلام كعقيدة والاسلام كشريعة اذا ما استخدمنا عنوانا سبق اليه واحد من كبار المجتهدين في زماننا هو الامام الراحل محمود شلتوت شيخ الازهر الاسبق. في هذا الاطار اصدر السفير محمد أسد كتابه بعنوان «مباديء الدولة والحكومة في الاسلام» واصدر كتابا آخر بعنوان «هذا القانون الذي نتبعه» ومقالات اخرى الى ان توج حياته العلمية ونضاله الطويل على طريق الاسلام الذي تحول اليه بكل وجدانه واختاره دينا وعقيدة ومنهاجا بملء ارادته حين اصدر آخر كتبه بعنوان «رسالة القرآن»، وقد بلغ حجمه الف صفحة بكل تمام وكمال، وكان المؤلف محمد أسد قد بلغ وقتها من العمر ثمانين عاما. جاء كتاب «رسالة القرآن» كما يقول الباحث الاستاذ اسماعيل ابراهيم نواب، تحقيقا للحلم الذي ظل محور حياة مؤلفه وقد كان هذا الحلم الطيب الجميل يتمثل في معنى وحيد وهو: ان يصدر محمد أسد كتابا يقدم فيه للناس بالانجليزية ـ صفوة تأملاته ومحصلة اطلالته بعمق وفهم ومحبة على معاني آيات القرآن الكريم حيث يقدم هذه الآيات شارحا ومفسرا ومعلقا ما استطاع الى ذلك سبيلا. في هذا السياق يقول الاستاذ اسماعيل نواب: لقد اقبل محمد أسد على كتاب الله الكريم وهو الذي لم يولد مسلما ـ اقبل عليه باجلال مؤمن بكلام الله عز وجل وبحماس مثقف اتخذ من جلاء معاني الكتاب العظيم مهمة تعلو الى مراقي رسالة المفكر. البروفيسور محمد أسد كان اول من يدرك ان التعامل مع القرآن الكريم أمر خطير ومهمة في غاية الصعوبة فما بالك عندما يكون هذا التعامل باللغة الانجليزية! هنالك يتجلى التواضع الجميل الذي تحلى به الرجل حين قال في تصدير كتابه الكبير: انا اول من يدرك ان مقاربتي للقرآن العظيم لن تفيه ولن تستطيع ان تفيه حقه لان آياته تحمل طبقات من بعد طبقات من المعاني والاشارات والدلالات (وقد صدق في هذا) قوله عز وجل: «قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي» صدق الله العظيم. ويلاحظ الدارسون مدى ما تحلى به محمد أسد في دراساته الاسلامية ـ القرآنية هذه من التحلي بأعظم ما تجود به حضارة الاسلام ومنهجه وهو: ـ روح الاجتهاد. يلاحظون ايضا مدى تأثر صاحبنا محمد أسد بالامام محمد عبده ـ المصلح المجتهد المصري ( 1849 ـ 1905) الذي ينظر اليه محمد أسد بعين الاجلال والتوقير العلمي مؤكدا ان مآثر الاستاذ الامام محمد عبده ومنجزاته في مجال الفقه والاجتهاد والتحديث الفكري لم تقدر بعد حق قدرها وفي هذا يضيف محمد أسد قائلا: ـ يجوز القول، بغير تزيّد او مبالغة، ان كل تيار عصري من تيارات الفكر الاسلامي يمكن ان نعود به الى ما سبق اليه الشيخ محمد عبده بفضل تميزه الفريد بين سائر مفكري الاسلام المحدثين. ويبقى كتاب «الطريق الى مكة» هو درة اعمال صاحبنا ذلك لانه يسجل رحلة انسان نشأ في احضان حضارة الغرب المغرقة في المادية، وتربى في كنف اسرة تدين باليهودية .. وربما كانت الاسرة كما تشير مصادر شتى تعد فتاها ـ اذ كان اسمه ليوبولد فايس ليكون واحدا من الحاخامات . ولكن يشاء الوعد المكتوب ان يتحول الفتى وهو على صراط الاختيار الى الدين المحمدي وان يحسن اسلامه وتصلح استقامته . ثم لايكتفي من هذا كله بالفروض او السنن وانما يكرس ردحا طويلا من حياته يفرغ فيه مختارا من ارفع المناصب الدولية، كي يعمل خادما بقلم العلم وموهبة الباحث في ساحة القرآن الكريم، ومن ذا الذي يستطيع ان يخرج الى الناس في سن الثمانين كتابا من الف من الصفحات سوى ان يكون من ذوي الارادات والعزمات. وعندما صدر كتاب «الطريق الى مكة» عام 1954 احتفلت به الاوساط الادبية والنقدية في الغرب وكتبت جريدة «التايمز» البريطانية في ملحقها الادبي تقول: ـ يحكي لنا التاريخ عن كثير من الاوروبيين الذين تحولوا الى اعتناق الاسلام ومنهم من ارتقى الى ارفع المناصب والسلطة في البلاد التي هاجروا اليها .. لكن قلما تجد واحدا من هؤلاء المتحولين وقد عكف على رصد مراحل هذا التحول خطوة من بعد خطوة .. بل واستطاع وهذا هو الاهم ـ ان يفعل ذلك بقدر عظيم من جزالة المعنى وجمال الابداع. من جانبها كتبت «الساينس كرستيان مونيتور» الاميركية تقول: ان هذا الكتاب ـ الطريق الى مكة ـ عمل لينفذ الى اعماق الحياة العربية والاسلامية مما يعين على فهم ادق للعرب وللارض التي يعيشون فيها. لم يكن محمد أسد ظاهرة منبتة الصلة عن سواها ممن اختاروا التحول في زماننا الحديث الى عقيدة الاسلام واختاروا ذلك عن قناعة تامة وفهم ثاقب وعميق: واذا كنا قد تسامعنا في فترتنا الراهنة عن الفيلسوف الفرنسي رجاء جارودي او عن الدبلوماسي الالماني مراد هوفمان او عن السفير الايطالي لدى السعودية الذي اصبح مسلما بالأمس القريب، فان هذه الكوكبة من الرجال ـ الرموز تضم اسماء من قبيل لورد ستانلي آدرلى وهو عم (أو خال) الفيلسوف الانجليزي الاشهر برتراند رسل، وهناك ايضا البارون الانجليزي هولى (عمر الفاروق) عضو مجلس اللوردات ومارتن لنجز (ابو بكر سراج الدين) وتشارلى ايتون ومن الفرنسيين رينيه جينون (عبد الواحد يحيى) وفنسنت منصور مونتيل وموريس بكاى ومن النمسا هناك البارون عمر فون اهرنفلز ومن المجر كان المستشرق الهنغاري الشهير عبدالكريم جرمانوس ومن سويسرا فرتجوف شون المفكر الذي قال عنه الشاعر الناقد الانجليزي الشهير تي. إس اليوت، «انه اعمق كاتب صادفته في علم مقارنة الاديان» ومن اميركا تصادفنا اسماء كثيرة بخلاف الاخوة المسلمين الذين يدخلون في دين الله افواجا كل عام (الاسلام هو اسرع الاديان انتشارا في الولايات المتحدة حسب المؤشرات الاحصائية الرسمية) ومن هذه الاسماء على سبيل المثال المفكر الباحث توماس ارفنغ والكاتبة مرجريت ماركوس وعالم الرياضيات جيفري لانغ والشاعر مايكل وولف ثم سيريل غلاسيه صاحب العمل الكبير الصادر بعنوان «موسوعة الاسلام». وقد عرضنا له على صفحات البيان منذ سنتين. يحفل التراث العلمي البحثي للاستاذ محمد أسد بدراسات مطولة ومتعمقة في مجال السيرة النبوية الشريفة ـ علم الجرح والتعديل على وجه الخصوص وقد دارت دراساته بالذات حول صحيح البخارى حيث اصدر محمد أسد خمس كراسات في هذا المضمار. ولم يصل الى علمنا ان الرجل قد ترك من ورائه أولادا .. ولكنه على التحقيق ترك تراثا من العلم الذي ينتفع به، وبهذا نظن انه لم ينقطع عمله فقد انشرح صدره يوما كي يعتنق دينا يساوي بين الولد الصالح وبين الصدقة الجارية، وايضا بين العلم الذي يبقى في الأرض ويضيء الظلمة وينفع الناس.