في السادس من هذا الشهر اطلق شخص النار على البروفيسور الهولندي بيم فورتين فأرداه قتيلاً، ولعل القليل جداً من الناس في منطقتنا العربية من يعرف الضحية، الذي سببت وفاته الكثير من الاشكاليات للجاليات الاسلامية المهاجرة في الغرب، ونقلت وسائل الاعلام الاوروبية قصة الصراع الحضاري الخفي بين الجالية المهاجرة والمضيفين الغربيين، فمن هو هذا الرجل؟ انه استاذ علم اجتماع وشخصية اعلامية ومؤلف ومؤيد قوي للحرية الجنسية وزواج مثليي الجنس، يفخر بشذوذه ويرى في ذلك جزءاً من الثقافة الليبرالية الاوروبية، ومعارض لتدفق المهاجرين من دول الجنوب ويرى فيهم خطراً على الديمقراطية الغربية. وسبق للقتيل ان هاجم الاسلام على اساس انه دين رجعي لا يساوي بين الرجل والمرأة، ويقيد الجنس والحرية الشخصية. بدأ حزبه بالظهور وكسب الكثير من المؤيدين، حتى غدا نشاطه يشكل خطراً على الوجود المسلم في هولندا، وقد طالب فورتين قبل مقتله بقليل بتوفير حماية شخصية بشكل غير رسمي له، لكن الرصاصات التي اخترقت جسده لم تمهله لتتم الاستجابة لطلبه. بعيداً عن فورتين وآرائه، لنأخذ بضع خطوات للخلف ونسأل انفسنا السؤال التالي: هل من حق المهاجرين ايا كانت ديانتهم ومعتقداتهم معارضة امثال هذا الرجل؟ من زار هولندا يعلم كم هي ليبرالية، ففي باراتها تباع الماريجوانا بشكل علني، وفي شوارعها تباع بقية المخدرات بكل انواعها بشكل غير علني، وبرلمانها يناقش السماح بتداول الحشيش للاستهلاك الشخصي، وفي مدنها مناطق للجنس الرخيص تباع فيها اللحوم البيضاء لمن يستطيع الدفع، وتفخر هذه الدولة بتدني نسبة الجريمة في شوارعها، ولهذا كان مقتل هذا الرجل صدمة للكثير من مؤيديه وغيرهم، وشعر مواطنو تلك الدولة ان جريمة القتل تهدد امنهم واسلوب حياتهم ونظام حكمهم. وقد جاء الكثير من المهاجرين المسلمين الى هولندا لعدة اسباب، وتعددت جنسياتهم من اندونيسيا الى المغرب العربي، ونشط هؤلاء في التهجم على الانحلال الخلقي المتفشي في المدن الهولندية، وبطبيعة الحال لم يقبلوا تلك الثقافة التي يرونها منحطة، وكما قال امام مسجد روتردام في مقابلة مع التلفزيون الهولندي معلقاً على الشذوذ الجنسي: انه مرض يهدد المجتمع، فما كان من جماعات الشاذين الا ان هاجمت الامام وحورت ما قاله على أساس ان ذلك اختلاف ثقافي وحضاري وتعصب غير مقبول. ان هولندا هي هولندا، وهكذا يريدها اهلها وهم يحبونها كما هي بدون ان يأتيهم شخص من مكان بعيد ليملي عليهم كيف يعيشون، ولكن هل يسكت المسلمون ويعزلون انفسهم عن تلك الثقافة والمشاركة السياسية بدعوى ان هذا مجتمع فاسد؟ في الاصل ان المهاجرين قدموا الى هذه الدولة وهم يعرفون طبيعتها وطبيعة أهلها، ومن يرى ان الاقامة في اوساط امثال هؤلاء لا تجوز فلا يجب عليه ان يترك وطنه ويحط رحاله في اوساطهم، ولكن من أتى يجب ألا ينعزل ثم يهاجم هذا المجتمع، بل عليه ان يشارك النخبة السياسية نشاطها ويعمل على تنظيم الجالية الاسلامية ليكون لها دور في الحراك الثقافي والاجتماعي، ومنها يستطيع ان ينطلق الى محاولة الاصلاح بالطرق المشروعة لمحاربة ما يراه فساداً ينخر في المجتمع. لكن مع الاسف دأبت الجاليات الاسلامية في الدول الغربية على الانعزال بدعوى انها غريبة وقد تكون غير مقبولة، ولكن هناك تجارب عدة في الكثير من الدول الاوروبية قبلت الناشطين السياسيين المسلمين، ومنهم من تولى مناصب في البلديات والبرلمانات ودوائر اتخاذ القرار ومن خلال تلك المناصب المؤثرة يستطيع هؤلاء التأثير على المجتمع وتحريكه في الاتجاه الذي يرونه مناسباً او مقبولاً. ان الدول الاوروبية معجبة كل الاعجاب بأسلوب حياتها، ولا تريد او ترغب في تغييره، فمن يرغب في الحياة معهم لابد ان يدخل ضمن نسيج المجتمع ومن ثم يؤثر فيه بأخلاقه ونصائحه، وليس بأي شيء آخر. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت» Qatar877@hotmail.com