بتمويل وخبرة اميركيين يعاد بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية بشرياً قبل ان تدمج كلها لتتبلور مؤسسة أمنية عملاقة يمتد ظلها الى كافة تفاصيل حياة الناس اليومية ، في الضفة وغزة. على قمة المؤسسة الجديدة يقف «الرجل القوي» العقيد محمد دحلان وفي يده جدول أعمال من بند واحد: قصم ظهر المقاومة المسلحة الفلسطينية. وكرجل يفضل العمل في صمت سوف يتحاشى الظهور الإعلامي قدر المستطاع، تاركاً مهمة «العلاقات العامة» للرئيس عرفات الذي لن يكون له في لقبه الرئاسي سوى الاسم. هذا بايجاز هو التصور الاسرائيلي الاميركي للاصلاح الهيكلي في بنية السلطة الفلسطينية، فهل هو أيضاً تصور عرفات نفسه؟ كما ذكرت بالأمس فإن «النتائج» في خطاب عرفات الى المجلس التشريعي تتناقض مع «المقدمات» التي تضمنها الخطاب نفسه. وهذه الملاحظة تنطبق بصفة خاصة على دعوة «الاصلاح» التي أطلقها الرئيس في سياق مخاطبته أعضاء المجلس. كل من استمع الى الخطاب أو قرأه كان يستبد به شعور بحب الاستطلاع لمعرفة طبيعة الاصلاح المقصود: هل هي طبيعة تنزع نحو الثورية والوثوب أم طبيعة تنزع الى المهادنة والتراجع؟ هنا يقع التناقض! فالرئيس عرفات يسرد مقدمة لينتهي الى استخلاص عكس مغزاها. تقول المقدمة: «ان العدوان الاسرائيلي على شعبنا قائم ومستمر ومتصاعد، ما دام الاحتلال والاستيطان جاثمين على أرضنا وشعبنا». ثم ينتقل الرئيس للاشادة بصلابة الشعب الفلسطيني في مواجهة هذا العدوان. ومن هنا يخلص الى «النتيجة» حيث يقول «اننا أحوج ما نكون لمراجعة خططنا وسياساتنا لتصويب وتصحيح مسيرتنا نحو الاستقلال الوطني بكل أمانة وصدق وإيمان وصلابة». فما هو المطلوب إذن إذا كان العدوان الاسرائيلي قائماً ومستمراً، بل ومتصاعداً، بينما الشعب الفلسطيني يحتفظ بصلابته؟ المطلوب في رأي عرفات ضمن هذا السياق هو رفض العمليات الفلسطينية التي تستهدف المدنيين الاسرائيليين. لقد كان من المقبول من الرئيس الفلسطيني في وجه عدوان «قائم ومستمر ومتصاعد» أن يأتي على ذكر العمليات التي تصيب المدنيين الاسرائيليين كجملة اعتراضية، بعد ان يدعو ـ وبالصوت العالي ـ الى تصعيد المقاومة الفلسطينية المسلحة من أجل الدفاع ضد العدوان.. أن يحرّض جماهيره على استهداف الضباط والجنود الاسرائيليين ومواقعهم العسكرية. بصورة ضمنية، أدان الرئيس عرفات العمليات الاستشهادية على اطلاقها، بل والكفاح المسلح كنهج نضالي، في الوقت الذي يتبارى القادة الاسرائيليون بتوجهاتهم السياسية المختلفة في رفض قيام دولة كاملة السيادة للفلسطينيين مع تفاوت درجاتهم في المصارحة أو المراوغة. وعلى هذا النحو كان خطاب الرئيس الفلسطيني ذا نبرة تراجعية بصورة عامة، وسواء قصد أو لم يقصد فإن رسالة الخطاب تنسجم تماماً مع مغزى «الاصلاح» كما يتصوره أرييل شارون وجورج بوش: القضاء النهائي على المقاومة. ويبدو ان المشهد الآن كما لو انه صورة جديدة لمشهد عام 1996 عندما دعا الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون ـ تحت وطأة تواتر العمليات الاستشهادية في داخل العمق الاسرائيلي ـ قادة عرباً الى اجتماع قمة من شرم الشيخ تحت عنوان «محاربة الارهاب». وما ان انفضت القمة حتى شرعت قيادة السلطة الفلسطينية في افتتاح عهد في الترعيب.. فانطلقت كوادر الأجهزة الأمنية لملاحقة عناصر «حماس» و«الجهاد».. واكتظت السجون بمئات المعتقلين.. وبوشر بعمليات التعذيب القبيحة على خلفية عمليات اغتيال اسرائيلية للعناصر القيادية، دبرت ونفذت بمساعدات معلوماتية من القادة الأمنيين في السلطة الفلسطينية بموافقة رئيس السلطة. هذا هو المشهد «النموذجي» الذي يريد شارون وبوش استعادته اليوم، ولكن على نهج أشد كفاءة. من هنا يأتي مشروع «الاصلاح» الذي يتلخص في «اعادة وبناء وتوحيد الأجهزة الأمنية». وبتجاوب القيادة الفلسطينية مع المشروع، فإن أقل ما يمكن ان يقال انها تلعب بالنار!