في شحوب الروح يخبو الضوء ويضيع الدرب من القدمين ويُدلِج المرء في منافي الوقت وراء سراب الرؤية أو وراء اليقين، في شحوب الروح يتكور الليل، في القلب ويحجب شموع البصيرة، في شحوب الروح ينبت الصبار على ضفاف النفس ويطل ثمره كرؤوس الشياطين، في شحوب الروح يتراجع الخير الى زاوية ضيقة وتتسع العبارة وتبقى من دون شعاع.. في شحوب الروح يقتحم سيل العتمة شِعْبَ الفجر ويمتد الأفق زواحف..أخاف شحوب الروح. في لجة من لجج العتمة قلت لمن يضيء دمه مشعلاً ويرفعه على التلال في غمرة العاصفة الهوجاء نداء وراية: أعطني من يقينك زهرة أغرسها في طين النفس وأرض البشر.. أعطني خُلْبَةَ عشب أخضر أزَنر بها هامتي المتعبة.. أعطني ظل حمامة في منقارها ورقة منقوشة بالصدق وغصنَ زيتون.. أعطني لمعة ضوء تكون سيفي بوجه الليل.. أعطني ولا تحرمني فأنت نبع الحياة وأنموذج العطاء!؟ لم أحظ بجواب وربما خلته قال: ليس ما تطلب متاحاً.. كانت الأرض عالقة بين أنياب القحط يوم كان فيها ما تطلبه اذ كان الانسان كان يعوضها عن الكثير.. أما وقد رحل عنها روح الانسان فهي رمال تسفيها الريح.. كل الخصب لا يقدم لك الآن زهرة تحب ولا ضمة عشب أخضر تغسل بها عينيك من وجع الرمال.. لقد هاجرت كل أنواع الطيور بما فيها الحمام، ولا يوجد في هذه الأرض ما يشد طيراً اليها، لقد قُتِلَت روح الخصب في الأرض فاطلب ما هو متاح فيها أو ارحل عنها أو عد انساناً وأعد الانسان اليها. عدت الى سجن نفسي وقلت: لا شيء يفتك بالروح مثل صحراء نفس بلا ضفاف تكتسح الرؤية والأعماق وواحات الخيال وتحجب ينابيع الأمل وقدرات المبدع على التخييل.. لا شيء يفتك بالنفس مثل الاحباط وارتفاع شأن الانحطاط وشأن من لا شأن له ومن لا خير فيه من بين الخلق فوق أهل الخير والقيمة والرفعة في الحياة. في زمن يستباح فيه الدم وتتدنى قيمته الى أقصى مدى ويمعن في الاضمحلال والتلاشي وتنوشه سهام الادانة، ويتنصل بعض أهله منه ويركضون في مزالق الملق للتخلص من ندائه.. في زمن يستباح فيه الدم.. تموت مع الدم المستباح قيم وأرواح وحقوق وكرامة ويغدو الأحياء سيل موت يعربد في الطرقات.. تموت مساحات الخضرة في الأرض ويخبو ضوء الروح وتنتشر العتمة ولا يرى الخلق منارات العشق التي تضيئها مشاعل الدم على التلال ولا تلك التي تذكيها الأرواح الدائرة في مداراته.. يخبو العشق ذاته ، وتذبل المعاني ويضيع الانسان في الدروب كما تضيع الدروب من الانسان. أعطني نفسي أيها الشبح الماثل عتمة تتكور في قلبي وشوكاً في مدى دربي وأسئلة مرة ملغزة تتكوم على الشفاه.. أعطني نفسي فلست مسلماً شيئاً مني لك ولا معلناً تسليماً بقدَرك.. تقول لي: انني أنت، وأننا الصوت والصدى والجسد وظله !؟ أعطني شيئاً مني اذن أتعرف به عليك فقد زاغت نفسي من نفسي وتاه مني ما أعرف به ذاتي.. لقد اجتاح نفسي تيار ريح قطبي فأسقطها في مداه وأسلمتها عاصفة البر الى عاصفة البحر.. وهاهي يتخطفها هياج بحر أعاصيره براكين!؟ لقد اختلطت أشياء كثيرة أيها الشبح.. الصدق تعفر بالكذب.. والحقيقة يراد لها أن تكون ابرة في كومة من القش.. الصدق تعفر بالكذب وللكذب أعلام يرفعون أعلام الصديقين ورايات الشهداء ويسرقون الشهادة والبطولة ومشاعل الدم ليصنعوا دروب النورعلى هواهم..انهم يحصدون بذار غيرهم ويصبح الدم والشهادة لديهم تجارة. كاد كل شيء جميل وبهي وصحيح يغيب في عتمة الزيف وزيف العتمة أيها الشبح.. حتى النور في القلب خالطته خيوط زيف يقدم نفسه أشعة نور.. كل شيء يضمحل ويغيب ويتهدم، وكاد يتكسر الصاري الذي يحمل شراع الروح.. أعد لي شيئاً من روحي لأزرع روحي من جديد فوق هامة الوجود ارادة صمود.. أعد لي ذاتي أو غب من حياتي فقد سئمت الرمادي وأمشاج الزيف التي تتداخل مع خيوط الحقيقة لتصنع فجر الحقيقة في كاذب الأزمان. ربما كنت في الطريق الى اكتشاف المستحيل.. وربما أجده في كهف نفسٍ مجردة من الأمل ترفض الانهزام.. نفس تعيش وتتابع الكفاح في الحياة وتستنبت الأمل وتسقيه ماء الايمان حتى تتماوج خضرته في حقول الروح، فهل تُرى يتاح لحي أن يرى المستحيل ويقبض عليه ويقدمه للأحياء متلبساً بالهزيمة، أم أنني لن أجد الا نُتَف الريش التي تطايرت منه في المدى المفتوح على الخواء؟! المستحيل ارادة تتعلق بطموح يغدو في خضم الدأب والتضحية امكانية مضيئة.. هكذا يقول قلبي الذي تتكور فيه العتمة ويأبى الاستسلام لها.. وأنا أركض خلف طموحي المشروع بارادة بلا ضفاف لأجدد أملاً بنصر على ما يسمونه المستحيل. في مفازة من الطريق نزل عظم ساقي الى الأرض يستريح واستمرأ الأرض والمراح.. لم يستجب لندائي حين دعوته للعودة مستحثاً اياه على متابعة السير.. أبى الامتثال لي وحَرَنَ في الطريق معيقاً عزمي على اقتحام الكهف المعتم بحثاً عن المستحيل.. شيء مني يتمرد علي ، وشيء مني يأمرني بمنع تمرد خطير علي؟! استغثت به: يا بعضي أشفق على بعضي، ويا جسدي لا تخيب روحي، ويا عظمي لا تخالف دمي.. وتابعت الاستغاثة به لكي ننجو من الغرق في مستنقع الموت.. الهزيمة.. استغثت به لكي نهرب معاً خارج دائرة الموت البطيء الذي يسمى حياة تتفسخ في مستنقع آسن هو مجتمع فاسد ينمو فساده وينتشر ويتشمرخ في كل اتجاه، وتهيم فيه «الارادات» على غير هدى أو بصيرة ويضل عن كل معيار ويعربد مسكوناً بالعتمة مفاخراً بأنه بلا نور في الكلمة أو نظافة في السلوك أو مسئولية في الملمات. خذلني عظم ساقي وتبعه عظم يدي.. ماذا أفعل حين تُسْرَق مني قدماي ويداي وتتسرب ارادتي في شقوق روحي ويبدأ التآكل غزوه الهمجي لكل شيء في، وحين ينغل في جرحي الدود ولا أملك ما ينسل الدود مني ويداوي الجرح في؟! طلب بعضي اجازة من بعضي لكن لا يبدو أن ذلك ممكن، فقد كُتب علينا اما أن نذهب معاً أو أن نبقى معاً: جسداً وروحاً!؟. البرد شديد في الأعماق، وفي داخل القلب بركة من جليد وفي الدروب ظلام.. اخال أن نهراً قطبياً في شراييني.. هل تجمد كل شيء يا ترى أم أن في أعماق القطب حياة يعرفها دمي وحده وتكتشفها شراييني وحدها وتألفها خلاياي وحدها؟! عجبت وأنا في الدوامة من ابتسامة تتسلل في العتمة الى شفتي وتتراقص أمام شموع نفسي المتراقصة بضعف وخفوت وتساءلت: أهي الشماتة أم السخرية تصور لي درباً مسدوداً، أم هي لحظة ما قبل الفجر يتولد فيها شيء مني أقوى مني ينمو في ويتحدى اليأس ويقتحم عتمة القلب ويفتح أبواب الأمل؟! لم أحظ بجواب يشفي.. ففي أدغال الأعماق صراع يكاد يعصف بكل قيمة وقوام، وفي أعماق الأعماق كنز اذا اكتشفنا وجوده وكشفناه شفانا من داء التآكل ومن الضعف أمام الزيف وجبروت القوة وفساد النفوس والمجتمعات والسياسات والثقافات.. في أعماق الروح كنز من الصدق والايمان يفجر ينابيع القوة ويجدد ما تلف من خلايا الروح ويحرر الارادة من اليأس ويعلن انتصار الروح على المادة وقيادة الروح لكل مادة حتى ينتصر الانسان في الكائن البشري وتنتصر القيم العليا في النفس وتنتصر الحرية على الظلم، والعدل على الجور، وينتصر الصدق في الابداع، وتضيء مشاعل الدم البريء ويكبر ظل الشهداء وينتشر ويسمو هدفهم ويرتفع ليصبح لغة الأرض ولغة الأحياء في الأرض، ويجتث الخبث والرياء والخبثاء من قلب المجتمع والسياسة ويعيد النقاء الى الانسان والارادة للحياة ويزيل غمة الزبد ليجلو جوهر النفس وجوهر الأمة تحت ضوء الشمس حيث حقيقة الجوهر النقي الذي يبقى جوهراً حتى حين يطمره التراب. لقد استعدت ساقي المتراخية وركضت في كهف نفسي المظلم وطاردت المستحيل في دهاليز النفس وقبضت بيدي عليه وها هو عصفوراً مبتلاً بالماء يرتجف بين يدي ويعترف قائلاً: من أنا.. المستحيل؟! لم أتعرف على هويتي وقوتي في بعض المواقع والمواقف فعدت الى الأرض مهيض الجناح شيئاً يتعثر به المارة.. هي ارادة الانسان الحر القادر المؤمن بحقه في الحياة وبعدالة قضاياه تصنع المستحيل وتطلق طيور الحرية في الفضاء لتحلق في كل اتجاه مزهوة بالانتصار على الشر والظلم والموت وفساد الأجساد وضمور الأرواح والارادات.. هي ارادة الحياة تطلق طيور الحرية في كل اتجاه لتزين سماء الوجود بالانسان زينة الوجود.. المستحيل.. ما هو أمام التعلق بالحرية وارادة الحياة؟! الآن ينبغي أن يكتشف الناس الكنز الثمين المدفون في أعماق الروح ، وينبغي أن يتحقق انتصار الدم والشهادة على الهزيمة ودعاتها..على الفساد والموت على الحصادين المزيفين والحصاد المزيف في هذه الأرض. الآن تطير ارادات الناس الى التلال لتمسك مشاعل الدم البريء وتسير الى أهدافها بجسارة لتحرر وتتحرر وتقبض على المستحيل وتقدمه للناس عصفوراً مبتلاً يرتجف بين يدي شعب يريد فيكون ما يريد، وقد تملكته الكرامة والحرية وارادة الحياة. ـ رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب