يمر العالم العربي بواحدة من احلك اوضاعه واكثرها صعوبة. اذ وصلت انتاجيته الاقتصادية إلى ادنى مراتبها، ووصلت اوضاعه البشرية إلى اسوأ حاله. فنسب الشبان العرب الساعين للهجرة لم تكن بهذا الحجم الذي نراه اليوم وذلك في عالم عربي لا يستطيع تأمين الوظيفة للاربعة ملايين خريج الذين يتطلبون عمل كل عام. ومن جهة اخرى وصلت نسب عدم تقبل المجتمعات الاخرى في العالم للهجرات العربية وعلى الاخص اوروبا والولايات المتحدة إلى اعلى مستوياتها. بل ان بزور اليمين الفاشي في اوروبا ونشوء ظواهر تنظر للعرب بسلبيه وخوف سوف تكون من العوامل التي تجعل العرب غير قادرين على تبني خيار الهجرة هرباً من اوضاع صعبة واقتصاديات متدهورة وسياسات تقليدية. ان السياسة في العالم العربي وصلت إلى ادنى مستوياتها وذلك من خلال استمرار الفردية المطلقة في وسائل الحكم، واعتبار الشأن العام شأناً خاصاً لا يهم المجتمع ولا يؤثر في مستقبله، واعتبار المستقبل الذي يجب ان يهم الجميع ايضاً شأنا خاصا يهم الصفوة والاقلية. وبينما تعيش شعوب العالم اجمع اجواء ديمقراطية وشبه ديمقراطية يعيش العالم العربي بلا ديمقراطية مما يضيف على تراجعه وعلى تأكله وتضعضع بنيانه وضعفه امام اعداه واصدقاه. ان العالم العربي بحاجة إلى حركات اصلاحية تسعى لاصلاح السياسة في اوساطه، وتسعى للبحث عن نموذج جديد يعبر عن سعيه للارتقاء والنمو. ان هذا لا يعني يأسا من آفاق التعديل والتطوير بل دعوة له وقناعة بأهميته. فهناك في الاوضاع السياسية ما يسمح بالتطور. فنسب العلماء كبيرة، ونسبة المتعلمين عالية. وهناك انتشار للعوامل التي تساعد على احداث نهضة من وسائل الاتصال إلى توفر المعلومات إلى الجامعات والمدارس. كما ان وجود حركات سياسية واسعة الانتشار كما هو الحال مع الحركات الاسلامية يؤكد بأن العالم العربي يمتلك ادوات سياسية تسمح له بالانتقال نحو الاصلاح. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تعي الحركات الاسلامية العربية ان مستقبلها اصبح مرتبطا بتداخلها ومشروع للنهضة؟ وهل تعي اليوم بأن عناصر قوة الامة لن تكون ممكنة الا من خلال النهضة والاصلاح؟ هل يبرز من بين هذه الحركات من يتبني مشروعا للتقدم العلمي والسياسي والانتخابي والاقتصادي تحشد الامة من اجله؟ فهذه الحركات وصلت إلى اكثر الاماكن عمقا في الريف او في الصحراء، ووصلت إلى الجمهور العريض دون ان تنجح في تحويل قوتها إلى مشروع تقدم يأخذ المجتمع خطوات إلى الامام. السؤال: هل تنجح هذه الحركات او اجزاء منها في بلورة مشروع للنهضة مفاده العلم والثقافة الانفتاح الفكري والسياسي، الديمقراطية واحترام الرأي الآخر وفوق كل شيء التنمية الاقتصادية؟ مشروع النهضة امر أساسي لمستقبل العرب، وبدونه سوف تنال منهم القوى المعادية، وسوف يتراجعون عن تقديم اي جديد، وسوف ينتهون في حروب داخلية وصراعات محلية كما هو حال كل امة تراجعت وفقدت عناصر الرحمة والوحدة، السؤال الكبير هل من مشروع للنهضة يليق بأوضاع القرن الحالي، ويليق بما توصلت اليه الحضارات الاخرى ويتعلم منها؟ ان المستقبل العربي لكل اقطار العالم العربي لن يكون ممكناً في ظل وجود حضارة تتآكل وتتراجع وتتصارع وتتقوقع بينما الحضارات الاخرى تنفتح وتتطور وتأخذ كل مفيد من الحضارات الاخرى. ـ استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت