في فلسطين كما في ايران، وفي العراق كما في اندونيسيا، وفي لبنان كما في تركيا، بل من ادنى الشرق إلى اقصاه، يتعطش العالم الاسلامي توقاً إلى الاصلاح والتغيير بحثاً عن غد افضل ومستقبل واعد يفتقر إلى التمييز الطبقي والاضطهاد الاجتماعي والاستبداد السياسي والفقر المعلوماتي والحجر الفكري والثقافي. لكن هذا الشوق المفهوم للاصلاح والتطلع المشروع للتغيير يختلف من بلد إلى بلد ويتميز في كل قطر عن الاقطار الاخرى بسمات خاصة به دون غيره، ولا يمكن توزيع نسخة واحدة موحدة تصلح لكل الاماكن او المجتمعات اياً كان المصدر الموزع لهذه النسخة دينية كانت مرجعيته او سياسية، اعتمد موازين القوة والسيف وسيلة لتعميم نسخته او النصيحة والارشاد والموعظة الحسنة. وحدهم المكابرون والمنكرون لسنن التغيير والتحول الكونية يصرون على تجاوز هذه الحقيقة وتجاهلها ظناً منهم ان الزمن كفيل بتطويع الشعوب والامم لارادتهم ولرغباتهم واهوائهم التسلطية! الاصلاح بمنظور وطني نورد هذا الكلام هنا، وان كان بمثابة بديهية لدى البعض فقط لنذكر بان اصوات الاصلاح الصادقة اليوم والتي تنطلق من حناجر جماهير البلدان العربية والاسلامية من طرف الهلال الشرقي في ادنى آسيا على ضفاف الهادي إلى طرفه الآخر عند قمم الاطلسي الافريقية الشامخة، انما هي احوج ما تكون اليوم إلى التشذيب والتهذيب في ظل اضطراب الصورة والمشهد في كل بلد وقطر من جهة واحوج ما تكون إلى التمايز عن الاصوات المشبوهة التي تردد شعارات الاصلاح والتغيير كذباً وزوراً في محاولة للاندساس بين صفوف اهل البلد وابنائه المخلصين من جهة ثانية. نعم الاصلاح مطلوب وملح في فلسطين، ولكن بالصورة والطريقة والحاجة التي يقدرها الفلسطينيون انفسهم. وهكذا الامر في ايران والعراق واندونيسيا وتركيا وسوريا والجزائر وغيرها. ولكن من قال اولاً بان الاصلاح المطلوب في هذه البلدان هو ان يلبس ابناؤها لباساً فصلت احجامه في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي واعدت تصاميمه في الدوائر الغربية المهووسة بالعولمة، مهما بدا هذا الثوب زاهياً في الوانه مزركشاً يفتح قلوب الناظرين اليه مانحاً من يرتديه حرية الحركة حسب تقديرات عارض الازياء الاصلاحية في دول المتروبول المعجبة بنفسها إلى حد تأليه الذات. ومن ثم من قال ثانياً بأن ما يصلح لدولة ما يصلح لاخرى، حتى لو افترضنا بأن خبراء المتروبول يملكون تلك الملكة العُليا والمتعالية في التقاط حركة التطور التاريخي وضرورات التغيير الكونية!! انها أشبه بالنكتة ان لم تكن بسخرية القدر أن يخرج علينا من كان مشتغلا طوال المئة عام الماضية بتقطيع اوصالنا وتمزيق احشائنا وذبح نسائنا واطفالنا وقمع كل تطلع نحو الحرية والاستقلال والتنمية لبلداننا ليطالبنا بضرورة اجراء الاصلاح والتغيير في بلداننا، بل ويضع القوالب الجاهزة والادوات والتصاميم، بل وكل شيء بمثابة «النموذج» المقبول لانضمامنا لنادي ما بات يعرف «بالمجتمع الدولي». كلمة حق يراد بها باطل ان اهل فلسطين ادرى بثوب الاصلاح المطلوب والمناسب لهم أولا، وعدوهم المحارب هو اخر من يحق له الادلاء بأية ملاحظة في هذا السياق ثانياً، وكل لباس أو رداء يعرض على الفلسطينيين أيا كان مصدره يثير شبهة الفرقة والتفتيت والتقاتل بين ابناء الشعب الواحد ينبغي ان يرفض كله ثالثاً. فالاصلاح المطلوب والمؤثر والفاعل ينبغي ان يأتي وطنيا، أو فلا، وان يأتي متأخرا أو بطيئا أو متعثرا على يد أهل الدار والحريصين عليها افضل من ان يأتي متعجلا مسرعا ليحرق الدار ومن عليها، ولا هم ولا شاغل لهم الا ان يسلم مقدرات البلاد وثرواتها بثمن بخس الى صيارفة النقود العالميين. ونحن حينما نقول بهذا فاننا لا نقوله دفاعا عن هذا الحاكم أو ذاك مستبدا كان أم عادلا، فاسقا كان أم ورعا جاهلا كان أم عالماً، بل نقوله من اجل وقف هذه الحملة الهوجاء على بلادنا بكل اشكالها من اجل الحاقها بجوقة «العولمة المتوحشة» على حد تعبير ابناء الغرب انفسهم من العالمين بحقيقة ما يخطط لهذا الكوكب الاسير بيد خفية من تجار الثروات المنهوبة والمقولات «المصادرة» في اطار القول المشهور «كلام حق يراد به باطل». نريد اصلاحا لاحوالنا وتغييرا في كثير من اساليبنا البالية نعم، ولكن لا نريد ان يأتي ذلك على ايدي الغرباء الذين يريدون ان يغيروا حكامنا أو يستبدلوهم بأشباه الرجال المؤتمرين بأوامر شرطة المتروبول. وشعوبنا الى «غوييم» أي «كالانعام بل هم أضل» في خدمة صيارفة النقود العالميين من الصهاينة والتابعين لهم كما اسلفنا! حاشا لله ان يقبل أحد من أهلنا بهذا الاصلاح وهذا التغيير مهما كان قلبه وعقله تواقا ومنطلقا للخروج مما نحن فيه من تخلف عن الركب العلمي ومعادلة القوة والتنمية. الثقة بالجماهير وتعزيز المشاركة الشعبية ولكن من جهة اخرى، فان على حكام بلداننا ان يعلموا وان ينتبهوا جيدا بأنهم اذا لم يتيقظوا مبكرا لحاجيات شعوبهم للاصلاح والتغيير، ولم يلبوا هذه الحاجة الماسة لمئات الملايين من شباب آسيا وافريقيا فانهم قد يكونون السد الاخير الذي ان لم ينظم تقسيم المياه بصورة عادلة فقد يكون الاخير الذي يسبق الطوفان. ومن لا يفقه أو لا يريد ان يفقه هذه المعادلة فانه سيكون من أول الخاسرين، ولن تعصمه لا جبال بلاده، ولا سدود البنك والصندوق الدوليين، ولا كل نظريات أو سياسات او تسهيلات «المجتمع الدولي» بل العكس تماما فهذا «المجتمع الدولي» وكما علمتنا التجارب ما ان يتأكد بأن الطوفان قد انطلق أو ما ان يتأكد بأن السد قد انكسر وتحطم الا ويكون اول الشاهرين لخناجرهم ليمعن ضربا وتمزيقا وتقتيلا بجثة هذه الضحية التي عاشت حليفا دائما لأنه ببساطة سيقول وبكل دم بارد ليس هناك صداقات وعداوات دائمة، انما هناك مصالح دائمة. لذلك ولغيره الكثير مما لا يسمح المجال لذكره مرة واحدة مطلوب وبالحاح من أهلنا وشعبنا وحكامنا الاتفاق وبسرعة على شكل من اشكال الاصلاح الوطني والاهلي الضروري والملح قبل ان تصدر الينا نسخ من الاصلاح الاجنبي المشوهة. وأول وأهم وابرز عوامل نجاح اي اصلاح وطني حقيقي برأينا هو الثقة بالجماهير العريضة وقراءة نبضها وسماعه بآذاننا مباشرة وليس عبر وسطاء واشراكها في كل نشاطات الحكم وهمومه. ونقول لمن قطع نصف الطريق مشكورا بأن اخرج القطن من افواه الناس ليتكلموا بصوت عال، عليك باكمال الدرب وذلك بألا تضع القطن في اذنيك. ـ كاتب ومحلل ايراني