منذ قيام السلطة الفلسطينية والحديث عن الفساد والحاجة إلى الإصلاح لم ينقطع، وتجاهل القيادة الفلسطينية لهذه المطالب لم ينقطع أيضا، وإن صاحبه أحيانا حديث عن وعود لا تتحقق،أو إجراءات شكلية لم تقنع أحدا مثلما حدث عندما اشتدت المطالبة بالتغيير، فكان القرار هو إبقاء كل الوزراء بمن فيهم المتهمون بالفساد والإفساد مع إضافة عدد آخر من الوزراء بلغ العشرة، لتتسع رقعة المستفيدين وينحسر الحديث عن التغيير لدى القيادة الفلسطينية حتى وقعت الواقعة. الآن. وبعد ما حدث من أخطاء وخطايا، وما تكشف من قصور وعجز في القيادة التي لم تستطع إدارة المعركة كما ينبغي. لا من خلال الإنتفاضة ولا خلال الاجتياح الذي وقف الشعب وحده في مواجهته، يأتي اعتراف الرئيس عرفات المتأخر بالخطأ، ويطرح رؤية للإصلاح والتغيير. لكن حديث عرفات يأتي في الوقت الخطأ وفي ظروف بالغة الدقة ليثير من الأسئلة أكثر مما يطرح من الإجابات، ولينفتح الباب أمام تطورات خطيرة يتم من خلالها استكمال مسيرة التراجع عن الثوابت الوطنية الفلسطينية. والتي بدأت بالرضوخ لشروط رفع الحصار عن عرفات، ثم الموافقة على صفقة كنيسة المهد بكل أخطائها، ثم إقرار عرفات نفسه بأن العمليات الاستشهادية هي(إرهاب) ينبغي مواجهته! يأتي حديث الرئيس الفلسطيني عن الإصلاح والتغيير في ظل موقف أمريكي حاسم في مساندة إسرائيل في عدوانها الهجرة على الشعب الفلسطيني باعتباره دفاعا عن النفس أولا، وحربا على «الإرهاب» ثانيا.وفي ظل قرار أمريكي بأن عرفات «إرهابي» وشارون رجل سلام، وفي ظل ضغوط أمريكية هائلة على الفلسطينيين والعرب لوقف المقاومة وإنهاء الإنتفاضة، وفي ظل قرار أمريكي بإنهاء دور عرفات وإعداد الساحة لآخرين ترى واشنطون أنهم قادرون على تحقيق مخططاتها في المنطقة وقبول التسوية النهائية بالشروط الأميركية التي هي نفسها الشروط الإسرائيلية! ويأتي حديث الرئيس الفلسطيني وكأنه إستجابة لشروط السفاح شارون الذي أعلن ببجاحة منقطعة النظير أنه لن يفاوض نظاما فاسدا ديكتاتوريا وأن على الفلسطينيين القيام بالإصلاحيات المطلوبة قبل أن يطمعوا في تنازل إسرائيل والقبول بمجرد التفاوض معهم في ظل قرار الليكود بأنه لا مكان لدولة فلسطينية غرب نهر الأردن. ويأتي حديث عرفات عن الإصلاح والتغيير في ظل عجز عربي رسمي عن مواجهة الموقف وخوف غير مسبوق من المستقبل، ورضوخ لإملاءات أميركا وشروط إسرائيل. ومحاولة للهرب من الموقف بالضغط على الفلسطينيين (بدلا من الضغط على أميركا) لإنهاء المقاومة وإيقاف العمليات الفدائية وعدم تعكير مزاج شارون رجل السلام أو إغضاب الإدارة الأميركية أو الكونغرس اللذان يتسابقان في العداء للعرب والرضوخ للصهيونية وإبداء المرونة اللازمة وإجراء التغييرات المطلوبة وإختيار القيادات الجديدة الصالحة للإنضمام لسلاح (التوسل) لأميركا أو (التسول) منها. وهو السلاح الوحيد الباقي لدى النظام العربي.. أو هكذا قيل. وقد يكون الرئيس عرفات يحاول شراء بعض الوقت حتى يجد مخرجا من الأزمة، لكنه يعرف - قبل غيره - أن الآخرين لن يسمحوا له بذلك، وقد يكون الرئيس عرفات قد أدرك أخيرا حجم الأخطاء التي وقع فيها والتي أدت إلى فتور الاستقبال الشعبي له بعد خروجه من الحصار وذهابه إلى جنين التي لم يستطع دخول مخيمها المدمر بعد نسف المنصة التي كان سيتحدث منها وقد يكون عرفات قد أدرك أن حكاية عدم تغيير الأحصنة أثناء المعركة التي يكررها من أربعين سنة كلما جاء حديث التغيير.. لم تقتنع أحدا. قد يكون كل ذلك صحيحا. ولكن الصحيح أيضا أن التغيير قد بدأ مع إتفاق إنهاء الحصار عليه والثمن الباهظ الذي قدمه، ثم مع إتفاقية كنيسة المهد والقبول الشائن بنفي المناضلين ثمنا لإنهاء الأزمة ومع إدانة العمليات الإستشهادية ووصفها بـ «الإرهاب» ومع الاعلان عن مجيئ رئيس المخابرات المركزية الأميركية (تنييت ) ومعه 70 مليون دولار للإشراف على تشكيل جهاز الأمن الفلسطيني الجديد. هذه البدايات ليست مجرد اجتهادات تخطئ وتصيب، ولكنها تشير إلى إنقلاب كامل تضغط واشنطون لإتمامه، وتمارس إسرائيل كل أنواع القمع والحصار والقتل والاغتيال للخلاص من معارضيه وتمهيد الأرض المناسبة له، ولا يخفي بعض أركان السلطة الفلسطينية أنفسهم إنحيازهم له وقبولهم بشروطه، وتضغط بعض الأطراف العربية ظنا منها أن المزيد من التنازلات الفلسطينية والعربية قد يخلصها هي من أزمته! إن السؤال الكبير الذي ينبغي أن يطرح في هذه الظروف هو: عن أي إصلاح يتحدث الرئيس عرفات ؟ هل هو الإصلاح الذي يطالب به شارون وبوش، أم الإصلاح الذي لم تتوقف مطالبة الشعب الفلسطيني وفصائله المناضلة عن المطالبة به طوال السنوات الماضية ؟ عن أي إصلاح نتحدث؟ «الإصلاحات» التي تطالب بها أميركا وإسرائيل تعني ببساطة إنهاء المقاومة والقضاء على المنظمات التي تقاتل الاحتلال الإسرائيل، وإنشاء جهاز أمن تحت إشراف المخابرات الأميركية لتنفيذ هذه المهمة، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى سلطة حكم ذاتي تكون مهمتها الأساسية ضمان أمن إسرائيل، ثم تصفية كل الكوادر الوطنية المتشددة حتى داخل السلطة لصالح (المتعاونين)! هذا هو «الإصلاح» كما تريده أميركا وإسرائيل، أما الحديث عن الفساد والديكتاتورية فليس إلا إستمرارا في الاستهزاء بالعرب وخداع العالم. فالدبابات الإسرائيلية لم تقتحم المخيمات وتقتل الأطفال وتدمر المنازل من أجل محاربة الفساد بل من أجل القضاء على المقاومة، ولو قبل عرفات بما تريده واشنطون وتل أبيب لنصبوه زعيما للديمقراطية وربما منحوه جائزة «نوبل» بالمشاركة مع شارون وبوش هذه المرة! أما الإصلاح المطلوب من كل قوى الشعب الفلسطيني فشئ آخر إنه الإصلاح من أجل أن يكون هذا الشعب المناضل أكثر قدرة على المقاومة والصمود، وأشد إصرارا على تحرير أرضه وبناء دولته الحقيقية وإيقاف مسيرة التنازلات ومسلسل الأخطاء القاتلة في إدارة الصراع مع العدو. وهذا الإصلاح يجب أن تسبقه عملية مواجهة شاملة لمسيرة النضال الفلسطيني- وللأوضاع العربية والدولية المرتبطة به - ولابد أن تمهد له إجابات مطلوبة عن أسئلة مطروحه على الساحة الفلسطينية، ولابد أن يواكبه حوار مسئول بين كل الفصائل الوطنية الفلسطينية. إننا نعرف أن الظروف صعبة،والضغوط هائلة، ولكن الشعب الذي قاتل وصمد وضحى وقدم آلاف الشهداء وتحمل عبء النضال وحده من حقه أن يطمئن أن كل ذلك لن يذهب سدى، ومن حقه أن يعرف أين كان الخطأ، وأن يحدد هو - وليس أي أحد آخر - كيف يتم تصحيح المسيرة وكيف يتم إستكمال المعركة. من حق الشعب الفلسطيني - ومن حقنا جميعا - أن نعرف لماذا تراكمت الأخطاء، ولماذا تركت بدون علاج ؟ ولماذا تم إبعاد كفاءات كثيرة لأنها قالت كلمة صدق، وتم الاحتفاظ بالفاسدين في مراكز إتخاذ القرار ؟ ومن حق الشعب الفلسطيني - ومن حقنا جميعا - أن نعرف لماذا تم إهمال كل دعوات تجسيد القيادة السياسية للوحدة الوطنية التي أفرزتها الإنتفاضة ؟ ومن المسئول عن ضرب كل دعوات تحويل قيادة الإنتفاضة إلى جبهة وطنية تقود النضال في هذه الظروف الصعبة وتشكل حكومة الوحدة الوطنية التي تستطيع تحمل المسئولية ؟ ومن حق الشعب الفلسطيني- ومن حقنا جميعا - أن نعرف لماذا استمر هذا الوضع الذي تتضارب فيه الرؤى بين الفصائل الوطنية، وتتضارب فيه المصالح داخل السلطة الفلسطينية.. ليدفع الشعب وحده الثمن غاليا ؟ ومن حق الشعب الفلسطيني - ومن حقنا جميعا - أن نعرف حجم الإختراق الإسرائيلي لأجهزة الأمن الفلسطينية، وحقيقة ما حدث من تسليم المناضلين إلى الإسرائيليين سواء من جبريل الرجوب أو غيره، وكيف وصلت الأمور إلى تبادل الإتهامات بالخيانة والعمالة بين قائدي جهاز الأمن في الضفة وغزة بينما الإدارة الأميركية تعلن أن لديها تصورات حول توحيد جهاز الأمن الفلسطيني تحت إدارة المخابرات الأميركية قدمها إثنان من القيادات البارزة في السلطة الفلسطينية؟ ومن حق الشعب الفلسطيني - ومن حقنا جميعا- أن نعرف لماذا كان أبو عمار محاصرا في مقره بالدبابات الإسرائيلية، ومحاصرا في نفس الوقت بمستشارين ليسوا فوق مستوى الشبهات، وبمساعدين لهم إتصالاتهم (الحميمة) بشارون وابنه ؟ وكيف قاد هؤلاء عرفات إلى تقديم التنازلات المهينة وهو معزول عن باقي المناضلين ؟ وهل سيستمرون في مواقعهم أو تزداد سطوتهم بعدما قدموا من (نصائح ) و(خدمات)؟ وأخيرا ومن حق الشعب الفلسطيني - ومن حقنا جميعا - أن نعرف إلى أين تقود خطوات الإصلاح المقترح، وهل سيكون الإصلاح من أجل القضاء على المقاومة أم من أجل تفعيلها ؟ إذا كان خيار المقاومة (وهو خيار الشعب الفلسطيني) هو القرار. فإن الطريق واضح حتى في ظل الظروف الصعبة والضغوط الخارجية والعجز العربي. الطريق هو وحدة وطنية تجسدت بالدم على أرض الواقع، ويبقي أن تتجسد في جبهة سياسية تقود النضال الوطني في هذه الظروف الصعبة. جبهة تؤكد على ثوابت النضال وترفض التنازلات وتحدد الهدف النهائي والأهداف المرحلية وترفض أي خروج على ذلك. جبهة تعلن أن المبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت هي أقل ما تقبل به في هذه المرحلة. وأنه لا تنازل عن دولة فلسطينية في حدود 67 بما فيها القدس الشرقية،وتطالب الدول العربية بتحمل مسئولياتها لتفعيل هذه المبادرة ووضع الولايات المتحدة أمام الاختيار الحاسم : قبول المبادرة وتفعيلها، أو تدمير كل مصالحها في المنطقة. جبهة تعلن أن حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال هو حق مشروع ولايمكن التنازل عنه. وتقبل في الوقت نفسه بهدنه توقف فيها عملياتها العسكرية لفترة محددة لا تتجاوز بضعة شهور تعطي فيها الفرصة للعالم كله للوصول إلى تسوية سياسية عادلة. وبشرط أن تنسحب القوات الإسرائيلية من كل مواقع السلطة الفلسطينية وتتوقف عن أي عدوان وأن تعلن الولايات المتحدة قبولها بالمبادرة العربية أساسا للتفاوض من أجل التسوية السياسية. جبهة توقف صراع المماليك الصغار أو الكبار على خلافة عرفات أو على اقتناص الفرص وإمتلاك النفوذ وتكوين الاقطاعيات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وتنهي تصرف البعض منذ أوسلو وكأن المعركة إنتهت والأرض تحررت والدولة قامت وحان وقت توزيع الأسلاب، وتضع كل الجهود من أجل أن يكون المجتمع أقدر على الصمود في معركة دخلت أصعب مراحلها وفي ظروف بالغة الدقة، ولا تكتفي بالعمل في الداخل بل تسعى لتجنيد كل طاقات الشعب الفلسطيني في كل مكان من أجل الصمود في المعركة وتأجيل كل الخلافات الثانوية لتتوحد الصفوف في معركة المصير. هذا هو المدخل الحقيقي للإصلاح المطلوب. والباقي تفاصيل. فهل يستجيب عرفات لذلك حتى ولو أغضب الكثيرين في الداخل والخارج، أم أن الضغوط ستنجح في جره إلى «إصلاح» يتولي فيه رئيس المخابرات الأميركية تنظيم جهاز الأمن الفلسطيني، وتدان فيه المقاومة باعتبارها إرهابا، ويبقي فيه مروان البرغوثي في سجون إسرائيل مع آلاف المناضلين، ويبقي فيه زعيم الشعبية ومن أخذوا بالثأر بقتل وزير السياحة الإسرائيلي في سجون الأميركان والبريطانيين بينما يتولى التفاوض على مصير الشعب الفلسطيني من يتسابقون في تقديم الخدمات لواشنطن، أو من يفاخرون بإرادتهم لكازينو قمار أو شراكتهم لابن شارون في صفقات التجارة والسياسة، أو من يقبلون علنا مارفضه الشعب الفلسطيني من حلول تفتح الباب لنكبة أخرى قادمة يتم فيها تهويد الضفة وليس القدس فقط، ويعيش فيها الفلسطينيون في (كانتونات) محاصرة ويتجول فيها شارون في العواصم العربية باعتباره رجل السلام. الذي هو - بلا مؤاخذه - خيار العرب الاستراتيجي! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية