للكاتب التركي «عزيز نيسين» قصة جميلة عنوانها «الدعاية» أتذكرها كلما رأيت في صحيفة إعلاناً يقدم فيه صاحبه تهنئة لمسئول أو قريب بمناسبة ترقية نالها، أو لطالب بالتخرج أو نيل شهادة عليا، أو يسجل شكراً لطبيب أجرى عملية جراحية له أو لأحد أقاربه أو لمريض يهمه أمره. يبدأ «عزيز نيسين» قصته واصفاً بطلها بأنه قد أثبت في حياته أنه ابن القرن العشرين «نشرت القصة مترجمة عام 1998 ضمن مجموعة ذَنَب الكلب» بدأها بالدعاية وانتهت بالدعاية، فقد عرف الناس أنه أتى هذا العالم من خلال الاعلان الذي كان بالجرائد: «ولادة سعيدة» «السيدة كوثر تشبن والسيد درّو تشبن رزقا بطفل، أطلقا عليه اسم «غونشر» نتمنى للمولود الجديد طول العمر». السيد درّو لم يكتف بهذه الدعاية من أجل ابنه، بل كان يريد أن يعرف جميع الناس أن طفلاً أتى إلى هذه الدنيا واسمه «غونشر» فنشر دعاية أخرى بهذا الخصوص، وكانت الدعاية هي: «شكراً» (بواسطة جريدتكم نود أن نشكر السيد دكتور النسائية... الذي تدخل في الوقت المناسب وانقذ زوجتي من موت مؤكد نتيجة الولادة الصعبة لابننا «غونشر»). هكذا سلط السيد درّو الاضواء على ابنه منذ اللحظة الاولى لولادته، وظل يتابعه بها في مختلف مراحل نموه، فهو عندما بلغ الخامسة من عمره وضاع في أحد الأيام بينما كان يلعب أمام المنزل، وفي الوقت الذي كانت فيه أمه والجيران يبحثون عنه جرى أبوه الى إدارة الجرائد وأعطاهم صورة صغيرة بالاضافة الى إعلان يرجو فيه باسم الانسانية ممن يراه أو يسمع عنه أن يبلّغ عنه. ورغم أن «غونشر» كان قد عاد إلى المنزل منذ فترة عندما رجع أبوه بعد أن أعطى الاعلان للجرائد إلاّ أنه لم يحاول سحبه. وقد فرح «غونشر» عندما رأى الصورة منشورة في اليوم التالي. وبعد فترة سنحت لدرّو فرصة من أجل دعاية حول «غونشر» وأعطى هذا الاعلان للجرائد: «حفلة الطهور» (في مساء السبت المصادف في 2 سبتمبر سنقيم حفلة طهور لابننا «غونشر» يرجى من جميع الأقرباء والأصدقاء أن يتفضلوا إلى هذا العنوان....). وبحجة أن يشكروا المطهر نشروا إعلان شكر آخر، وهكذا ذكر اسم «غونشر» مرة ثانية في الجرائد. بعد أن دخل «غونشر» إلى المدرسة كان والده درّو أفندي منزعجاً لأنه لم يجد فرصة لنشر إعلان آخر، وأصبح ابنه في عمر يمكنّه من نشر دعايته بيده، ولأن درّو لم يستطع الصبر أكثر من ذلك، ذهب إلى إدارة الجرائد وأعطاهم هذا الاعلان ولكن بلسان ابنه هذه المرة: «مفقود» (أضعت البطاقة التي أخذتها من المدرسة، وأنا أصنع بطاقة جديدة، ولذلك أصرح بأن البطاقة القديمة التي ضاعت أصبحت عديمة المفعول). ـ غونشر تشبن ـ ولكي يثبت «غونشر» أنه ابن حرّة كأي ولد خيّر آخر، فقد ورث عن أبيه كل ميزاته، وبدأ يستفيد من طرق الدعاية السهلة، فكان ينشر كل شهر إعلانين أو ثلاثة إعلانات بأنه أضاع هويته أو شهادته، ولكن الحقيقة لم يكن قد أضاع شيئاً، وكان درّو أفندي يقول لابنه: «يجب أن تستخدم جميع الوسائل حتى لا ينساك المجتمع، يجب أن لا تنسيهم نفسك». وبدأ اسم «غونشر» يلتصق في أذهان الناس. ومع أن قارئي الجرائد لم يكونوا يعرفون من هو «غونشر» وماذا يعمل، إلاّ أن هذا الاسم أصبح مألوفاً لديهم، وصار الناس عندما يذكر اسم «غونشر» يقولون هذا الاسم ليس غريبا. ثم إن «غونشر» تديّن وتزيّن وسافر إلى باريس، ولكن نقوده نفدت بعد أربعين يوماً فعاد إلى البلد، وأصبح بين يديه حجة كافية لكتابة الاعلان التالي من واقع نزهة الأربعين يوما: «نجاح أحد شبابنا» (أحد شبابنا الاعزاء «غونشر تشبن» قام بأبحاث في عدة بلدان أوروبية، وعقد عدة ندوات، وعاد بأبحاثه الناجحة، نهنيء هذا الشاب على وصوله بالسلامة). وقد تسارع الناس إلى قراءة الاعلان الذي نشر في الصحف اليومية، وكان على شكل بطاقة مطوية من إحدى زواياها: «خطبة غونشر تشبن وسوغي كان». كان غونشر تشبن يفسخ خطوباته ويخطب من جديد من أجل الاعلان فقط، حتى علم الناس من الجرائد أنه اضطر للزواج من إحدى خطيباته عندما نشر اعلاناً كان عنوانه: «تزوج غونشر تشبن من زكية تشنغي رقلي» وبعد ذلك كان بإمكاننا أن نتابع قصة حياة «غونشر» من خلال الجرائد، فقد علمنا من زاوية القراء وزاوية الأخبار أنه رزق بثلاثة أبناء وبنت، وأن أحدهم سقط في الماء المغلي وانسلق ومات، وأن زوجته أجرت عمليتين خطيرتين. اما هو فقد ضعف بصره وبدأ باستخدام النظارات، بالاضافة إلى أحداث أخرى. كل ذلك علمناه من خلال إعلانات الشكر والمكافآت والزواج والولادة والموت. ولم نعلم ذلك فحسب من الجرائد، بل عرفنا ماذا يعمل كل فرد من أفراد عائلته، وعرفنا أقرباءه القريبين والبعيدين، عرفنا كل شيء ابتداء من ذلك وحتى أتفه أمر في حياته من خلال الاعلانات. حتى كان يوم نشر فيه. الاعلان التالي: «الفقيد الراحل» (من وجوه بلدنا الأعزاء، صهر...، صاحب...، أبو....، كتبنا بشكل مختصر حتى لا نطيل الخ... «غونشر تشبن» انتقل إلى رحمته تعالى، الجنازة يوم... في الساعة العاشرة في منزله الكائن في... وبعد أن تقام الصلاة في جامع... يوارى جثمانه الثرى في مقبرة العائلة في مكان... رحمه الله). أثار هذا الخبر الحزن في قلوب جميع القراء، ولكثرة ما كان اسمه مألوفاً، شعروا بأنهم فقدوا أحد أقاربهم. ولكن من كان ذلك الرجل؟ لا أحد منهم يعرف. بدأ النقاش حول مهنة غونشر وتطور الأمر إلى حد الشجار. بعضهم يقول: لقد كان كاتباً كبيراً، والبعض الآخر يقول: إنه نائب في مجلس الشعب لثماني دورات متتالية، وبسبب ذلك فاسمه محفور في ذاكرتنا، والبعض الآخر يقول: كان من أطبائنا المشهورين. رجل مهم بهذا القدر يجب أن تحضر جنازته، وهكذا ترك العاملون أعمالهم وذهبوا جميعاً إلى الجنازة. منذ سنوات عدة لم تشاهد جنازة ضخمة وعظيمة كهذه الجنازة. ولما رأت الشرطة هذا الازدحام أمام منزل المتوفى أدركت أهمية الأمر، وتحسباً لجميع الاحتمالات أرسلت مفرزة مع الجنازة. ثم انضم المارة والفضوليون إلى القافلة التي تسير وراء الجنازة، وتكوّن سيل من البشر، وتوقفت الحركة في المدينة لفترة طويلة، وعندما رأى القباطنة وسائقو السيارات والترامات هذه الحالة، علموا أن رجلاً مهماً وكبيراً قد توفي، وبدأوا يطلقون الزمامير، وهكذا دفن «غونشر تشبن» في احتفال مهيب لم يشهده أحد قبله. وقد حضر الجنازة مسئولون في جميع المجالات والمهن، كما حضرت هيئات من ممثلي الاحزاب السياسية تحسباً لأي كلام أو معاتبة في النهاية. وألقى خطباء عديدون كلمات تحدثت عن مناقب الفقيد وأُرسل أكثر من مئتي إكليل من الزهر. حدث كل ذلك رغم أن الميت غير معروف من أحد ولا مَنْ هو! لكن دعاية «غونشر تشبن» بقيت حتى بعد وفاته البارحة عندما نشر الاعلان التالي: «مولد» (في الذكرى الاربعين لوفاة «غونشر تشبن» التي تصادف يوم الخميس 8 فبراير سيقرأ مولد نبوي عن روح المذكور... الخ في جامع... الشريف). وإلى متى تستمر دعاية «غونشر»؟ لا نعلم حتى الآن. بهذا التساؤل ختم عزيز نيسين قصته، ونختم نحن استراحتنا متساءلين: ترى... كم «غونشر تشبن» يعيشون بيننا وتطالعنا صورهم وإعلاناتهم كل يوم في الجرائد؟ وإلى متى تستمر دعايتهم؟ الله وحده أعلم.