المساحة اللفظية لخطاب الرئيس عرفات في المجلس التشريعي الفلسطيني بلغت نحو 1500 كلمة. مع ذلك لم يتضمن الخطاب كلمة واحدة تشير الى فصائل المقاومة الفلسطينية ـ من «فتح» الى «الجهاد» عبوراً بـ «حماس» و«الشعبية» و«الديمقراطية» ـ سواء فرادى او ضمن اسمها الجماعي «اللجنة الوطنية والاسلامية للانتفاضة». وبالنظر الى الظروف الاقليمية والدولية الغريبة التي ألقي هذا الخطاب على خلفيتها فإن هذا الاغفال لا يمكن الا ان يكون متعمداً. فالاجهاز على المقاومة الفلسطينية والقضاء على انتفاضة الأقصى هو الهدف المقرر الذي من اجل التهيئة لتحقيقه اثيرت هذه الظروف السياسية المفتعلة تحت ذلك الاسم الرنان ـ «الاصلاح» ـ الذي يلجأ إليه عادة المريبون والمرابون من امثال جورج بوش وارييل شارون. عبارة «الاصلاح» هي المحور الرئيسي في خطاب الرئيس الفلسطيني. والتوقعات الفلسطينية والعربية على الصعيد الشعبي التي سبقت مناسبة الخطاب كانت ـ ولا تزال ـ مبنية على تساؤل قلق بشأن تصور عرفات لمغزى الاصلاح: هل تشير بوصلة الرئيس الى المزيد من التثوير للمقاومة المسلحة ضد الاحتلال ام تشير الى الاتجاه المعاكس صوب الهدف الاسرائيلي الأميركي لتدجين الانتفاضة ان لم يكن تصفيتها نهائياً؟ وكما ينتظر شارون وبوش لتحديد مدى صدقية تصورات ورؤى عرفات على نحو ما ورد في خطابه عندما تبدأ عمليات التطبيق العملي على الارض فإن قطاعات الشعب الفلسطيني، خاصة فصائل المقاومة، والشعوب العربية تنتظر بالقدر نفسه لكي تحدد موقفاً. وما بين القاء الخطاب وتنزيل وعوده الى ارض التطبيق تظل طبيعته العامة غامضة في أفضل الاحوال.. بل ومتناقضة في بعض اجزائه. ثلث الخطاب على الأقل مكرس لسرد توصيفي للحلقات المتسلسلة للعدوان الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني منذ اوسلو وحتى يومنا هذا، هذه الحلقات المتسلسلة تمتد من «حقل الاشواك» الى «معركة المئة يوم» و«جهنم» الى «السور الواقي» وكما قال عرفات «لم تسلم مدينة او قرية او مخيم او بيت او كوخ». ولكن عرفات اذ يقول في جزء من الخطاب ان «المؤامرة على شعبكم ووطنكم.. لم تتوقف وفصولها تتلاحق» فإنه في جزء آخر يعلن ان «السلام كان وسيبقى خيارنا الاستراتيجي». كيف يكون السلام خيارا استراتيجياً بينما المؤامرة ضد الشعب الفلسطيني «لم تتوقف» وان «فصولها تتلاحق»؟ انه ببساطة لن يكون سلاماً الا وفقا للشروط الاسرائيلية، ومن سخرية الاقدار ان خطاب عرفات تزامن مع خطاب لشارون امام البرلمان الاسرائيلي حدد فيه «الوقف التام للارهاب والعنف» ـ اي تصفية المقاومة المسلحة ـ كشرط أساسي «لبدء مفاوضات سياسية». لقد اشهد عرفات التاريخ على جرائم الحرب التي ارتكبتها اسرائيل ولا تزال تواصل ارتكابها حيث «انتشرت الحواجز الاحتلالية في كل مكان واصابت القنابل اطفال المدارس والامهات ودمرت البيوت على رؤوس ساكنيها»، واستخلص الرئيس الفلسطيني من ذلك ان طريق الحرية والاستقلال والكرامة «لم يكن يوماً مفروشاً بالورود والرياحين بل بالصمود والرباط وبالصبر والمصابرة وبالقدرة على مواجهة العدوان والمعتدين». فكيف يعلن عرفات بعد ذلك «تصميمنا على اقرار سلام الشجعان..»؟ ان النتائج التي توصل اليها الرئيس تتناقض تماماً مع المقدمات التي سردها بنفسه. وهنا التناقض في خطاب مكتوب سلفاً، وليس مرتجلاً، يلقي بظلال كثيفة من الشك عندما يعلن اننا احوج ما نكون لمراجعة خططنا وسياساتنا ولتصويب وتصحيح مسيرتنا نحو الاستقلال الوطني..». مراجعة.. وتصويب.. وتصحيح: كلمات حكيمة دون شك.. ولكن في اي اتجاه؟ هذا السؤال الاعظم الذي ينتظر اجابة عملية له على الارض الثنائي بوش وشارون من ناحية والشعب الفلسطيني والشعوب العربية من ناحية اخرى. و«الليالي من الزمان حبالى»!