هناك اشكالية واضحة في الدعوات الى مقاطعة اميركا من أجل الاضرار باقتصادها وهي القادرة على تعويض خسائرها الناجمة من قبلنا لا أقول ببيع ترسانة الاسلحة الى غيرنا، لأن الامر ابسط لديها من هذا بكثير ونورده هنا من تاريخ كلينتون مع الصين فقد كان حريصا على بقاء نوع من العلاقة ولو كانت محصورة في بيع زجاجة الكوكاكولا لأكثر من مليار صيني. هذا خط للرجعة على حساب السياسة المناهضة للصين في صراعها مع تايوان اليد الموجعة لها لسنوات طويلة حتى عادت اليها بشروط قاسية ولكنها قبلت الصين من اجل عيون الديمقراطية الاميركية. أين الاشكالية في عالم العرب؟ الاشكالية هي في هذا السؤال: كيف نقاطع اميركا ونحن بحاجة اليها وهي بحاجة الينا ورغم ذلك تعادينا بكل وضوح في موقفها المساند لاسرائيل دون ان تتزعزع عن هذه السياسة قيد أنملة فهي تعلنها صراحة بلا مواربة او لف ودوران وبالذات في هذه الفترة من الازمة التي تمر بها منطقة الشرق الاوسط؟! وهذا يستدعي القيام بالفصل بين العلاقات الرسمية للدول عن طريق القنوات المعروفة على كل المستويات والعلاقات الشعبية بتلك الدول عند حلول الأزمات الحادة. وجود خطوط للالتقاء بين الرسمي والشعبي مهم لانجاح عملية المقاطعة طويلة المدى، فالخطوط المتقاطعة في هذه المواقف لا تصب في الصالح العام للأمة فيكفي ما نعانيه من الانفصام بين سياسات الدول ومطالب الشعوب ولا نريد ان تزداد الهوة اكثر بسبب حملات المقاطعة التي ترتفع اصواتها في اكثر من بقعة من العالم العربي المترامي الاطراف. من السهل على الفرد ان يقاطع منتجا بذاته ولو لم يتوفر البديل المناسب او حتى مع وجود البديل الرديء فعند التحدي يصبر المرء على المر حتى يتجنب الأمر. والذي يصعب هضمه عربيا هو المقاطعة العربية العربية المستمرة وبشكل غير مقبول امام «العدو» الذي يراد لنا مقاطعته، اذا كان يراد من هذا كله بناء عمل مؤسسي محكم يعيش لسنوات مقبلة حتى يتحقق الهدف النهائي من هذه المقاطعة، فلا يمكن تقبل الاوضاع العربية على عواهنها، فالاقتصاد العربي يجب ان يكون له دور بارز بالتعاون مع الاقتصاد الاسلامي لأن الصراع عربي اسلامي في آن واحد وأي بتر او فصل بينهما فنحن اول الخاسرين عربا كنا أو مسلمين. البدائل العربية والاسلامية لابد ان تتوافر وبأسرع وقت، لأننا لا يمكن ان ندغدغ عواطف الشعوب بالحرمان من أبسط الحاجات فقط لأنه اميركي الصنع. فلم يعد الوقع الاقتصادي مفصولا عن الوقع الاجتماعي والسياسي والتربوي والثقافي .. الخ، لأن خطوط التداخل بين هذه المحاور اكثر مما نتصور ولا يمكن القيام بعملية الفصل تلك الا من الناحية النظرية البحتة. التصرفات الفردية للأفراد مع اي جزئية من جزئيات المقاطعة الاقتصادية تدخل في نطاق الحرية الشخصية التي تحترم، اما ضم الافراد الى جماعات وهيئات ومؤسسات تمارس الضغوط على الجهات الرسمية فهذا العمل بحاجة الى تفكير طويل ومتواصل لتجنب الازدواجية في التصرفات الخاصة على حساب العام. لذا لا نقبل مقولة كاسترو عن الرئيس الاميركي بعد اختياره لادارة دفة بلاده عندما قال: بوش غبي كما يبدو، فاذا كان هذا الموصوف بالغباء يدير ثلاثة ارباع العالم الحر فأين يختبيء الاذكياء من أمثال كاسترو في ذلك العالم أو في عالمنا الثالث برمته؟، فهل من المنطق ان يغلب الغباء ويهزم عوالم الاذكياء ام ان في الامر اشكالية اخرى يجب البحث عن حل عاجل لها قبل ان يفتر حماس الناس نحو المقاطعة؟.