شاهدتُ بالأمسِ مطراً، لم يكن لي أن ألمسه فيما سبق من أيام، وما كان له أن يعانقني حتى في ذروة أحلامي المكتظّة دائماً بالماء. حلّت بي دهشة، استعدتُ من لدُنها فاكهة الزمن الماضي، وأطلقتُ الأخيلة من عقالها مدندناً لحناً غجرياً على وتر قديم. أنا المفتون بماء السماء، والممسوس بالخضرة وألوانها، فاجأني الربيع الأخير بقيامته الفريدة، إذ عجنت البسيطة ترابها، وهتفت لصخورها بنداء شجيّ: أن أفسحي تضاريسك ليروي ظمأك النازلُ من علٍ لتخرج منك بعد حين أعشاب طفولية ملوّنة. قالت أمي: كنتَ صغيراً عندما أتانا شتاء ملأ الأرض حتى فاضت مياهها، فشربت منها الصخور حتى الارتواء، واحتضنتها الكهوف لتؤنس وحشتها. فيما البركة التي اتخذ لها البسطاء مكان القلب في الساحة الأثيرة اختزنت ما يكفي لأيام القيظ والشدّة. أما عجائز القرية فصدحوا بأصواتهم المتهدّجة: سقى الله الأيام الخوالي، ها إنها تعود.. رأينا ذلك المطر منذ أربعة عقود، يومها ظل الماء ينهمر إلاّ من لحظات صحو قليلة، لم تُتح الغيوم أثناءها لنور الشمس التسلّل أو ملامسة الأشياء. خاطبني أحدهم قائلاً: أخشى ما نخشاه أن يحدث الزلزال مرّة جديدة، إذ ما أشبه اليوم بالبارحة. لقد تواصل هطول الغيث من بدايات مارس حتى نهايات ابريل، فاهتزت الأرض وانهارت الصخور، وتداعت البيوت الصغيرة، وعاش الناس في الخيام، إلى أن أعادوا «لمْلمة» حياتهم. كلام الرجل الأشيب لم يدخل الخوف إلى نفسي، بل زادني حبّاً بهذا الكرم الإلهي، وتذكّرت دعاء أبي وحكاياه، كان إذا مرّ في باله غيمٌ ينزل المطر على الحقول، وإذ يتقدّم قبل نسمة الصبح، حانياً على جذوع الشجر، كانت تثمر تحت نظراته غصون غضّة وتنبت من عيونه الكروم العطشى. ــــــ شاهدتُ مطراً في ربيع الجنوب، لم أرَ له مثيلاً في حياتي، كان الأمر أشبه بقيامة للطبيعة، التي صارت تستعيد قصصها القديمة وتسردها على زائريها.. قصص كفّت عن تكرارها منذ سنين طويلة. قيامة الطبيعة هذه، كانت هي «الزلزال».. كل شيء فيها جاء مختلفاً، خضرتها، أزهارها ورائحة ترابها. حين قصدتها بعد صحو ضئيل، فاجأتني بضيوف لم أعرفهم: نباتات غريبة، وبألوان مدهشة، الأصفر بأشكال مختلفة، وكذلك الأحمر والبنفسجي والقرمزي والأزرق والليلكي، كلها كانت هناك.. تتمايل بخفّة على تلك المساحات الخضراء البديعة وبين شقوق الصخور وأفيائها.. فيما الأبيض النقيّ يوزّع ذاته على أشقائه بجودٍ قلّ نظيره. أيّ سرّ في هذا المطر الذي يهزّ كيان الأرض، فتنبثق منها عجائب من فضة وذهب مصفّى؟ إنه مطر من كرمٍ إلهي مقدّس، قادني إلى كشف أسرارٍ خبأتها الأرض طويلاً!