كان الشعر ديوان العرب لقرون طويلة إلا أنه انتحر في غفلة من الزمن، وتطايرت أوراقه، فمات الشعر واختفى الراوي وضاعت القصيدة، وعندما تذكر البعض أن هذا الإرث الزاخر بالحكم والأمثال والعبر لابد أن تجمع أوراقه المتطايرة، ولابد أن يرمم في زمن بدأت تتلاشى منه الروح الشفيفة، وتتبدل كيمياء الشعور فيه بفيزياء الدمار والحروب، جيء بميزان الشعر وقد فقد إحدى كفتيه، واحضرت القصيدة وهي متكئة على عصا واهية، ووزنت القصيدة بلحمها وشحمها وعظمها، فماذا كانت النتيجة؟! ولدت القصيدة سقيمة غير متعافية، ظهرت هكذا مشوهة تارة بلا رأس، وتارة بلا يدين، وثالثة مجدوعة الأنف ومبتورة الساقين.. ولا عجب، فقد أصبح لا مكان للشعر، ولا أرض للقصيدة، ولا وطن للشاعر، إن كان هناك شعر وشعراء حقيقيون! وأقف هنا لأستقل المحطة المقبلة حتى لا أُتهم بالسوداوية المفرطة في زمن الهشك بِشك، متجهاً لزمن الشعر، ففي العام الماضي وليس في زمن الصعاليك لقي سبعة أشخاص مصرعهم وجرح عددٌ آخر نتيجة لمطارحة شعرية في اليمن، فالشاعر القاتل استبد به الغضب عندما عجز أن يقارع نظراءه الشعراء برد على قصائدهم التي اعتبرها إهانة لا تغتفر، فسبق السيف العذل إذ عاجلهم ببندقيته فقتل خمسة منهم وجرح عدداً آخر ولم تنته القصيدة هنا، فقد تربص خصوم الشاعر القاتل به بعد ساعات من الحادث فقتلوه هو وابنه. كأن هذه الحادثة أرادت ان تنقلنا في غفلة من الزمن، إلى أجواء الشعر والبلاغة في المطارحات وهجائيات الزمن الماضي عندما كان للشعر مكانة، وللشاعر هيبة ومنعة.. فقد أبى سلطان الشعر إلا أن يكون حاضراً، مسجّلاً اسمه ورقم هاتفه النقال وعنوانه الألكتروني على الإنترنت، وهو يردد بأعلى صوته «حال الجريض دون القريض»، وأعلم أن كثراً منكم يعرف القريض ولا يفقه الجريض، وأنا كذلك كنت أحفظ المثل منذ زمن بعيد وبالتحديد من أيام المدرسة، فقد كان معلمنا الجليل استاذ اللغة العربية كثيراً ما يردده على مسامعنا فحفظناه دون ان نتدبر معناه، وحتى لا أبعد عن صميم هذا المثل أردد كما ذكرت كتب اللغة في هذا المثل، فالجريض هو الغصة والقريض الشعر، وأصله أن النعمان كان له يومان، يوم بؤس ويوم نعمة، فمن لقيه في يوم بؤسه قتله ومن لقيه في يوم نعماه أغناه، فلقيه في يوم بؤسه عُبيد بن الأبرص الشاعر وكان من خاصّته، فقال له النعمان: وددت لو لقيتنا غير اليوم، فتمنّ ما شئت غير نفسك، فقال: لا أعزّ علي من نفسي، فقال: لا سبيل إلى ذلك فأنشدني من شعرك، فقال عبيد «حال الجريض دون القريض» فذهبت مثلاً. إلا أن الشعر والقتل والهجاء والخوف من لسان الشاعر ونار القصيدة التي إذا ما قيلت حرقت بنارها الأخضر واليابس لم يقف يوماً عند محطة بعينها أو شاعر بخصوصه، فالعرب بنت على القصيدة مجدها، وكبرت مع الشعر، وصغرت باسم الشعر، ولعل النقائض الشهيرة التي دارت بين الشاعرين جرير والفرزدق خير شاهد وبرهان على علو كعب الشعر والشعراء، وقدرتهم على التميز والتمايز، والمقارعة والعداء، وقد حدد جرير عدد خصومه بثمانين شاعراً مؤكداً على أنه اشعرهم، لأنه فاخر بأبيه على لؤمه ثمانين شاعراً وغلبهم جميعاً، دون ان يستخدم البندقية والنار كما فعل صاحبنا اليماني. وقصة لؤم أبيه طريفة، فقد سأله رجل عن أشعر الناس فقاده إلى احد البيوت حيث يقطن رجل رث الهيئة قذر الثياب، قد أخذ عنزاً له أمسكها وجعل يمص ثديها حتى لا يسمع الناس صوت حلبها وقد انتثر الحليب من شدقيه وسال على لحيته، ثم نظر جرير إلى سائله قائلاً: أشعر الناس من كان هذا أباه! ثم استطاع ان يفاخر به ثمانين شاعراً ويقهرهم. ورغم ما صنع الحداد بين الفرزدق وجرير وكثرة مقارعاتهم ونقائضهم إلا أن للفرزدق رأياً مثيراً في جرير إذ قال عنه: ما أخشن ناحيته وأشرد قافيته والله لو تركوه لأبكى العجوز على شبابها، والشابة على أحبابها، ولكنهم هروه فوجدوه عند الهراش نابحاً وعند الجراء قارحاً، وقد قال بيتاً لأن اكون قلته أحبّ إلي مما طلعت عليه الشمس: إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضابا ولعل التاريخ يذكر في اوراقه ما حدث للراعي الشاعر العظيم، الذي عرّضه حظه العاثر عندما وقف إلى جانب الفرزدق وناصره إلا أن نقيضة من نقائض جرير، كلفته كثيراً حيث تسببت في هدم قبيلته لتصبح مضغة في افواه الناس عندما قال جرير: فغض الطرف إنك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلاباً وقد كان الرجل من بني النمير إذ قيل له: من الرجل؟ قال: نميري. وبعد هذا البيت صار الرجل منهم إذ سئل قال: من بني عامر، حتى قال شاعر آخر يهجو قوماً آخرين: وسوف يزيدكم ضعة هجائي كما وضع الهجاء بني نمير فلما هجاهم ابو الرديني العكلي فتوعدوه بالقتل قال: أتوعدني لتقتلني نميرٌ متى قتلت نميرٌ من هجاها؟ ولم تتعرض قبيلة او تلقى كما لقيت نمير من بيت جرير، حتى أن من الطرائف التي تحكى حول هذا البيت الشعري المثير، أن امرأة مرت بمجلس من مجالس بني نمير فتأملها ناس منهم، فقالت: يا بني نمير، لا قول الله سمعتم، ولا قول الشاعر اطعتم، فالله تعالى يقول: «قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم»، والشاعر يقول: فغض الطرف إنك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلاباً مشكلة الراعي كمشكلة صاحبنا اليماني الذي قتله شعره فقد وجد الراعي نفسه يفضل الفرزدق على جرير عندما قال: يا صاحبيّ دنا الأصيل فسيرا غلب الفرزدق في الهجاء جريرا إلا ان جرير لم يقف صامتاً فكانت تلك القصيدة وكان هذا البيت الذي أصبح بمثابة الكارثة على رؤوس بني نمير حتى ان الراعي علق على هذا البيت قائلاً: قتلتهم والله إلى آخر الدهر! وفعلاً، إن من الشعر ما قتل وحتى تتحققوا جيداً اسألوا شعراء زمن الهشك بشك.