في كل منعطف تاريخي أو أزمة تلم بالشعب الفلسطيني، غالباً ما نشهد بروز حالة التبشير بالقنبلة الديموغرافية الفلسطينية داخل أراضي عام 1948الى الواجهة، باعتبارها أخر الخنادق الذي سيعيد حالة الصراع مع إسرائيل إلى بداياته المرجوة . بل أكثر من ذلك يذهب بعضهم للمطالبة بالاستكانة و الركون لهذه الظاهرة التي ستغير وجهة الاستيطان الإسرائيلي بشكل عام، انطلاقاً من عامل الوقت ليس إلا. لكن قبل الدخول في التفاصيل والخلفيات والاجتهادات التي تلف هذه القضية الشائكة، لا بد لنا بكل موضوعية من الاعتراف بأن بقاء جزء لا يستهان به من الشعب الفلسطيني على أرضه رغم المظالم التاريخية والوطنية والاجتماعية، قد شكل عقبة في وجه الاستيطان اليهودي ونقائه، وبدد جزءاً من الادعاءات التي نادت ولا تزال بيهودية الدولة، بحيث فرض هؤلاء الفلسطينيون ومن خلال نضالاتهم الكبيرة والصعبة المدفوعة الثمن، واقعاً غير ذات الواقع الذي عملت على إتمامه الأوساط اليهودية بكل تلاوينها السياسية. بمعنى أنها خلقت واقعاً تعددياً، يقوم على مفهوم ثنائية القومية وثلاثية العقيدة، أعني أن بقاء العرب على أرضهم شكل حالة ازدواجية قومية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وبالاتجاه الآخر بما أن هؤلاء العرب يدينون بالإسلام والمسيحية، فقد شكلوا بموازاة ثنائية القومية ثلاثية العقيدة مع اليهود الصهاينة الذين قدموا إلى أرض فلسطين . الأمر الذي ضرب مفهوم الدولة النقية قومياً ودينياً، وبدد أحلام الغزاة الصهاينة والادعاءات التوراتية التلمودية، التي نادت في وقت مبكر بقيام دولة اليهود النقية باعتبارها «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». بل أكثر من ذلك، رغم القرارات الأمنية التعسفية والتهجير الجماعي الداخلي في فلسطين استناداً لقوانين الطواريء الاحتلالية التي عانى منها فلسطينيو الداخل منذ ما قبل إعلان دولة إسرائيل حتى هذه اللحظة، التي طالت البشر والحجر في آن معاً، بقي الفلسطينيون متمسكين بالهوية العربية، من خلال مواجهتهم لسياسة التمييز العنصري والاضطهاد القومي على الرغم من المواطنة الإسرائيلية وحقهم بالمساواة الكاملة المطروحة من قبل إسرائيل شكلانياً. بمعنى من المعاني، ان الخصوصية النضالية لدى هؤلاء، شكلت عنصراً نوعياً من خلال ديمومة المطالبة، وتمسكهم بحقهم في العودة إلى قراهم الأصلية التي طردوا منها قسراً، وقد أجزم أن هذه المطالبات المبكرة قد حققت جزءاً لا يستهان به من فرض مطالبهم بالعودة إلى بعض المدن مثل مهجري مدينة حيفا الذين لجأوا إلى الناصرة، إذ بلغ مجموع المهجرين فيها، حسب الإحصائيات التي صدرت عن مراكز الأبحاث الفلسطينية في الداخل، نحو 4478نسمة، وفي القرى المجاورة فيها نحو 5222نسمة، على عكس ما أشيع بأن هذه العملية جاءت نتيجة مخاوف أمنية إسرائيلية، بالإضافة إلى عودة أبناء قرية عيلوط. لكن بعيداً عن تعداد النضالات التي قادها الفلسطينيون في أراضي العام 1948، يجب الاعتراف بحقيقة غاية بالأهمية، تشير ومن خلال الإحصائيات التي نشرها مكتب الإحصائيات المركزية عشية الذكرى الرابعة والخمسين للنكبة بأن عدد سكان إسرائيل، وكما يقول التقرير عدد مواطني الدولة (6.5) ملايين نسمة من ضمنهم (1.2) مليون عربي. حيث يستدل من هذه الإحصائيات أنه منذ اللحظة الأولى لإعلان دولة إسرائيل عام 1948 فإن أعداد سكانها يزداد بنسبة 4% سنوياً، وهذه الزيادة تعتبر كبيرة في كافة المقاييس . ويشار إلى أن نسبة المواطنين العرب في داخل الخط الأخضر كان وما زال منذ العام 1948 ولغاية عام 2002 يعادل 19% من المجموع العام للسكان وأنه في عام 48 بلغ عدد المستوطنين اليهود (650) ألفاً، بينما ما تبقى من السكان العرب على أرضهم آنذاك (150) ألفاً، أي ما يعادل نسبتهم الحالية من نسبة المجموع العام في إسرائيل .كما يستدل من الإحصائيات أيضاً أنه في عام 48 استوطن نحو ربع سكان فلسطين المحتلة عام 48 في منطقة تل أبيب والمركز، بينما استوطن 3% فقط في منطقة الجنوب، أما اليوم فتعادل نسبة سكان مدينة تل أبيب والمركز 6% فقط، بينما تعادل نسبة سكان منطقة الجنوب نحو 14% . ومن الجدير بالذكر أنه يعيش في إسرائيل اليوم (5.3) ملايين يهودي، أي ما يعادل 37% من عدد اليهود في العالم . بصرف النظر عن لغة الأرقام وهي الابلغ، يجب النظر عند طرح هذه القضية الصعبة والمعقدة، إلى واقع هؤلاء الفلسطينيين المعاش بكل تعقيداته السياسية - الأمنية والاجتماعية - الاقتصادية بكل دقة وحذر، وعدم تحميلهم أكثر من قدرتهم على التحمل، خاصة وأننا ندرك أنهم لا يزالون يعانون لوعة التهجير من قراهم ومدنهم ويعيشون في بقعة ضيقة من الأرض، أعني في مدينتي الناصرة وأم الفحم، ما خلا ذلك بضع المئات التي لا تزال تعيش في قرية عيلبون ودير حنا قضاء طبريا، وفي عبلين وبعض القرى الأخرى في قضاء مدينة صفد مثل قرية معليا. من هذه الرؤية المقتضبة، نجد أن ثمة مهام جسام ملقاة على عاتق هؤلاء مختلفة عن المهمات الملقاة على عاتق فلسطينيي الضفة وغزة من جهة، وفلسطينيي الشتات من جهة أخرى، رغم حالة تكامل النضال مع هذا العدو الاستيطاني الاجلائي، والتي تتلخص بالتالي: أولا: ثمة مسئوليات جسام ملقاة على كاهل أبناء الداخل الفلسطيني، تتلخص في العودة لإعادة اللحمة إلى الأقلية العربية بعد أن نجحت السلطات الإسرائيلية المتعاقبة في إحداث شرخ عميق بين صفوفهم، تمثل في دفع الكتلة العربية للعودة إلى الانتماءات الطائفية والعشائرية والعائلية، والعمل بكل جهد ممكن على تشكيل مرجعيات وطنية مقنعة تقوم على حل هذه الخلافات والمنازعات، التي كان نزاع الناصرة في مارس 1998إحدى تعبيراتها الخطيرة، في ظهور الصراع بين المسيحيين والمسلمين في ذات اللحظة التي غابت فيها الهوية الوطنية والقومية، بما يتلاءم ومتطلبات الواقع المعاش، بعيداً عن الشعارات الفضفاضة التي سيبقى يلوذ بها البعض. والتي ألحقت بالشعب الفلسطيني الكثير من الانكسارات والهزائم. ثانياً:الوقوف بوجه تأكل الهوية العربية، لمصلحة الأسرلة باعتبارها هوية بديلة، فالهوية العربية هي الهوية القومية الحامية التي تعطي الهوية الجماعية القطرية في الجليل والمثلث والنقب مقوماتها. خاصة وأننا نعلم جيداً أنه إذا ما تزعزعت مركبات ومكونات هذه الهوية، ستكون عملية الاسرلة لها بالمرصاد، باعتبارها ستكون أيضاً حاجة لملء فراغ الهوية الحاصل، وبطبيعة الحال فإنسان هذا العصر لا يمكنه أن يستغني عن قضية الهوية . مع إدراكنا لخطورة الوضع الذي حل في الداخل بعد الشروع بالتسوية السلمية، التي خلقت واقعاً خف فيه التوتر بين الانتماء العربي والانتماء الإسرائيلي،لدرجة أصبح في إمكان العربي في إسرائيل أن يعيش ويعمل على هامشين: هامش المجتمع الإسرائيلي إذا صح التعبير، وهامش المجتمع العربي الذي يفتقد إلى تأدية دوره في المشروع الثقافي أو السياسي أو الاقتصادي الإسرائيلي المحض .بالمقابل من ذلك يفتقد إلى مشروع عربي متبلور المعالم تحت الاحتلال للظروف الاحتلالية التي نعرفها . الأمر الذي يلقي على عاتق العرب داخل الخط الأخضر النضال من أجل تحقيق المواطنة لتحقيق مصالح أكثر فأكثر داخل إسرائيل تتجاوز مسألة البقاء والصمود، وتتحول إلى مصالح فعلية ضمن الكيان الإسرائيلي، بشرط ألا تتحول هذه القضية إلى عملية صهينة أو أسرلة للوعي السياسي والوعي القومي . خاصة بعد أن اجتاز هذا المجتمع حاجز الخوف، نتيجة نشوء طبقات وسطى تمكنت من الدراسة في الجامعات الإسرائيلية، ونتيجة ازدياد الوعي للمواطنة واكتشاف الطاقة الكامنة فيها، صار أكثر إصراراً على الحقوق الكاملة . على هذه الأرضية، يجب أن نبتعد عن الفواتير والوصفات الجاهزة لفلسطينيي الداخل، لأنهم الأقدر على توجيه دفة نضالهم في الداخل، وهم الأقدر أيضاً على اجتراح الأساليب والسبل الكفيلة التي ستوصلهم إلى بر الأمان، ففي اللحظة التي كانوا فيها مغيبين عن واقع الفلسطينيين والعرب فاجؤوا العالم بانتفاضة يوم الأرض في 30 مارس عام 1976، وهم الذين شكلوا لجنة المبادرة للدفاع عن حقوق المهجرين في إسرائيل عام 1992في مدينة الناصرة، والتي أصبحت فيما بعد مرجعية وطنية عامة لقضية المهجرين، بحيث انتهجت منذ ذلك التاريخ تقليداً سنوياً لإحياء ذكرى النكبة تحديداً فيما يسمى إسرائيلياً بيوم الاستقلال، لإبراز الوجه الآخر لاستقلال إسرائيل وهو نكبة شعبنا الفلسطيني، من خلال تنظيم التظاهرات والمسيرات الجماهيرية والندوات وغيرها من النشاطات السياسية المطلبية المحمولة بحوامل وطنية وقومية. من هنا نجد أن إقحام سلاح الديموغرافيا الفلسطينية داخل فلسطين بطريقة قسرية، يحمل الكثير من المخاطر والمغامرة التي قد تطال الوجود الفلسطيني برمته، وتضعه في حيز التبديد والترحيل، وأن كسر العظم بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وبين فلسطينيي الضفة الغربية وغزة، غير حالة كسر العظم بين أبناء العام 48 وبين إسرائيل، خاصة وأنهم يقيمون علاقاتهم على أساس من القانون الإسرائيلي كمواطنين في هذه الدولة . ـ كاتب فلسطيني