كيان الدولة الاسرائيلية قام على مرتكزين اساسيين: توفير الامن والطمأنينة للشعب اليهودي في «وطن قومي» يوفر له ايضا الرفاهية الاقتصادية. وبطاقة الهوية التي تدخل بها الظاهرة الاستشهادية الفلسطينية التاريخ النضالي وتتخذ لها مكانة متميزة فيه تتمثل في انها تمكنت من ضرب هذين المرتكزين في الصميم.. فاهتز كيان الدولة اليهودية من جذوره. هكذا يحلل الاعلامي العربي الشهير عبدالباري عطوان ظاهرة العمليات الاستشهادية التي تمثل العنصر الابرز في نهج المقاومة الفلسطينية التي يصفها عبدالباري بأنها «انبل ظاهرة لهذه الامة في العصر الحديث». لماذا اذن تتخذ بعض الانظمة العربية موقفا مضاداً للظاهرة الاستشهادية جهرت به مؤخراً فخرجت من دائرة السكوت احيانا والتلميح احيانا اخرى الى دائرة التصريح؟ وفقا لاستخلاصات عبدالباري التحليلية، التي لا شك في موضوعيتها فإن من المفهوم ان تشن اسرائيل «ومن ورائها الولايات المتحدة» حملة دعائية ودبلوماسية عالمية ضد العمليات الاستشهادية لان تسلسل هذه العمليات وتطورها كما ونوعاً خلق تداعيات داخلية خطيرة من شأنها تدمير المرتكزات الاساسية التي قامت عليها دولة اسرائيل اصلا، فمن الناحية الأمنية باتت كل اسرة اسرائيلية تشعر بأنها مهددة آناء الليل وأطراف النهار.. وفي كل مكان: في البيت.. في مكان العمل.. في المقاهي في دور السينما الخ، ومن ثم بدأت بوادر الهجرة المعاكسة الى أوروبا واستراليا وكندا، وانعكس تفاقم التدهور الامني بدوره على الصعيد الاقتصادي. هنا يورد عبدالباري ارقاما من بينها هبوط معدل النمو الاقتصادي من 7 في المئة الى اقل من واحد في المئة وايرادات القطاع السياحي من اربعة مليارات دولار سنويا الى بضعة ملايين دولار. فحتى اليهود المقيمين خارج اسرائيل يترددون في زيارتها. ونعود الى السؤال: اذا كان مفهوما ان تطالب دولة العدو بوقف العمليات الاستشهادية لانها تستنزفها امنيا واقتصاديا وتلغي مبرر وجودها كدولة لليهود.. فإلي اي منطق تستند الانظمة العربية في معارضتها للعمل الاستشهادي والمطالبة الاطاحية بوقفه؟ ابتداء نستعيد الى الاذهان ان بعض الانظمة العربية تعارض الكفاح المسلح من حيث المبدأ سواء اتخذ شكل عمليات استشهادية او غير ذلك، وبينما احتفظت هذه الانظمة لنفسها بهذا الموقف لحين من الدهر مكتفية باعلان المعارضة للعمل الاستشهادي وحده «بحجة ان ضرره اكبر من نفعه» إلا انها اضطرت مؤخراً الى الجهر بمعارضة الكفاح المسلح على اطلاقه في اعقاب ضغوط اميركية قوية عليها. ومع اخذ هذه الضغوط الاميركية في الاعتبار فإن للانظمة العربية سببها الذاتي لمعارضة المقاومة الفلسطينية المسلحة، فالبطولات المتتالية التي تفرزها هذه المقاومة مصاحبة بالتأثير «الدراماتيكي» للعمليات الاستشهادية من شأنها اثارة غليان الشارع العربي.. مما قد يتهدد هذه الانظمة. وفي سرده للتاريخ القريب للعمل الاستشهادي يذكرنا عبدالباري عطوان بأن العمليات بدأت عام 1993 حين قام شاب من نابلس بتفجير سيارة محملة باسطوانات غاز مما اسفر عن مصرع 13 اسرائيليا، وبلغ مجموع العمليات في ذلك العام 13 عملية، ثم توالى مسلسل العمليات من سنة الى اخرى فبلغ سبع عمليات في عام 1994 وثماني عمليات في عام 1995 واربع عمليات في عام 1996 واربع عمليات اخرى في عام 1997 وعمليتين في عام 1998، ونظراً لتشديد السلطة الفلسطينية توقفت العمليات مؤقتا في عام 1999 لتستأنف في العام 2000 حيث وقعت اربع عمليات. وعام 2001 سجل رقما قياسيا.. فقد نفذت خلاله 36 عملية. هذا المسلسل الدموي هو الذي جعل ارييل شارون يلح على ادارة جورج بوش ليمارس ضغوطاً جادة على قيادة السلطة الفلسطينية والانظمة العربية لكي تحاول وقف العمليات الاستشهادية. فهل تستطيع هذه الانظمة العربية ومعها القيادة الفلسطينية الوفاء بتعهدها بوضع حد للعمل الاستشهادي الفلسطيني؟ أغلب الظن لا.. طالما بقي الاحتلال الاسرائيلي.. وطالما بقيت بعض الانظمة على عجزها لا تقدم بديلاً نضالياً لحركة المقاومة الفلسطينية.