أنت شخص واحد، وثلاثة صور، صورة ذاتية تراها في نفسك، وصورة اجتماعية يراك بها الآخرون ، وصورة مثالية، هي الصورة التي تسعى جاهدا للوصول اليها، ولو توافقت الصور الثلاثة وتشابهت فأنت سليم نفسيا، أو أنت تقدر على النوم دون متاعب، أو أنت تقدر على مواجهة كل ما حولك دون اضطراب، وهي حالة إنسانية تكاد تكون مستحيلة. لكن ، هذه الصورة يمكن أن تتقارب، أو تتصافح، أو تتفاهم مع بعضها البعض، وهي حالة الشخصية الناضجة، إنها الشخصية التي تتحمل المسئولية، وتقبل التضحية، وتصر على اداء رسالتها الانسانية دون أغراض خفية، ولا علاقة بين النضج والسن، فقد نجد فتاة على عتبة العشرين تتمتع بنضج في شخصيتها لا يتمتع به مدير شركة أو رئيس بنك أو مدير مدرسة تجاوز الخمسين، وعدم النضج يعني الاضطراب النفسي، والاضطراب النفسي هو التقوقع في الذات والبقاء فيها وحيدا ليأكل الانسان نفسه ولا يحاور سواها، إنه أول الطريق لفساد العقل وتلوثه بالأفكار الخاطئة، الهواجس، الهلاوس، مثلا. ويمكن أن يوصلك الذكاء الى أعلى الدرجات والشهادات، لكن، الذكاء وحده لا يكفي للنجاح، فأهم منه «معدل الانفعال» وهو وحدة قياس نفسية تحدد قدرة الانسان على مدى الدفء والتواصل والتأثير في الآخرين، إن جون كيندي ورونالد ريجان وأودلف هتلر كانوا من أصحاب العقول متوسطة الأوزان، ولا تصلح درجة ذكائهم إلا لادارة مدرسة صناعية، لكن «معدل الانفعال» المرتفع الذي كانوا يحظون به جعل كل منهم «كاريزما» قوية، وجذابة، مشى الناس وراءها كالمسحورين، المنومين، المجذوبين، أما جيمي كارتر فلم ينفعه ذكاؤه المفرط ومعدل انفعاله المتواضع في أن يحافظ على كرسي الرئاسة الأميركية، ولا جدال أن اختلاف معدل الانفعال في الحب والزواج بين رجل وامرأة هو السبب الأول والأخير للانفصال والطلاق واستحالة استمرار العلاقة بينهما. ومعدل الانفعال يخفي عيوب الشخصية ويبرز حسناتها والشخصية كلمة نطلقها على الصورة التي تكشف سلوك الفرد وتميزه عن غيره، هي الصورة التي تحدد عاداته وأفكاره واهتماماته وأسلوبه في الحياة، وتوصف الشخصية بسماتها البارزة، البشاشة، التجهم، السخاء، البخل، الصدق، الكذب، حب السيطرة، الرياء، الاتزان العاطفي، لكن، لا نستطيع أن نلصق سمة من هذه السمات إلا اذا كانت تميز سلوكه معظم الوقت، فالشخصية في الحقيقة حصيلة تفاعل هذه السمات بعضها البعض. ويوصف الانجليز بالبخل، والأتراك بالعناد، والأسبان بالعنف، والألمان بالتعصب، وهناك اجماع على أن السويسريين يتسمون بالدقة، وأن الايرلنديين يشتهرون بالبخل، وأن اليابانيين هم الأكثر تهذيبا في العالم، وينتقل الاسرائيليون بسرعة مذهلة بين الغطرسة والدونية، فهم في لحظة يشعرون بالتفوق وفي اللحظة التالية يشعرون بالانهيار، في لحظة يقتلون بلا رحمة وفي اللحظة التالية يبكون على ما جرى لهم، أما المصريون فلا تطاردهم لعنة الفراعنة وإنما تطاردهم لعنة أخرى أشد، لعنة الفهلوة، فهل يمكن تلخيص شعب بأكمله في صفة واحدة، في كلمة واحدة؟ يؤكد الدكتور أحمد عكاشة أكثر المصريين خبرة بالنفس البشرية: إن ذلك مستحيل، فلا يمكن أن يكون في سجل سكان الصحراء صفة واحدة فقط، هي الغدر، ولا يمكن أن نمنح كل سكان السواحل شهادة بتفوقهم في المغامرة، ولا يمكن الاستسلام لصفة الزهد التي يشتهر بها رهبان البوذية، إن تلخيص جماعة من البشر - بكل ما فيهم من عمق تاريخي وتفاعل ثقافي وتأثير جغرافي - في كلمة واحدة، إنه تبسيط ساذج، مخل، لا يعترف به سوى أنصار المقاهي والمصاطب. لكن، ذلك لا يمنع أن لكل شعب صفاته النفسية الخاصة، تميزه عن غيره، وتمنحه مذاقه المنفرد، وقد استهوت الشخصية المصرية علماء النفس والاجتماع من أيام الجنرال نابليون بونابرت الى أيام الدكتور أحمد عكاشة، ولعل وصف هذه الشخصية في كتاب «وصف مصر» لا يختلف كثيرا عن وصفها في كتاب الدكتور أحمد عكاشة الأخير: «آفاق الإبداع الفني»، لقد تغيرت ثياب المصريين ومهنهم ومساكنهم ووسائل انتقالهم، لكن لم تتغير سماتهم، وخصائصهم. إنهم يحبون الاختلاط، يتمتعون بالدفء العاطفي، قلوبهم طيبة، يتحملون مسئوليتهم العائلية، يتمسكون بالدين وينتمون للأسرة أكثر من الوطن، يتناسون الاساءة، ويجنحون للنسيان والغفران، وفي الوقت نفسه، هم محافظون في حياتهم الاجتماعية، مقلدون في حياتهم العملية، يميلون الى الاعتماد على غيرهم، سلبيون في الحياة العامة، لا يتحملون مسئوليتها، انفعاليون، حماسهم لا يعيش طويلا، ويمكن أن يحبوا في لحظة ويكرهوا في اللحظة التالية، يسهل التأثير في مشاعرهم، يفضلون الهروب من المواجهة، تصوراتهم عن التدين في بعض الأحيان خاطئة، يدرسون العلم لكنهم يؤمنون بالخرافة، صوتهم يسبق خطواتهم، فلو وجدت اثنين يتشاجران في الطريق العام ستسمع تهديدات يقشعر لها بدنك، لكنك ستفاجأ بأن المشاجرة الصوتية بينهما قد انتهت بالاعتذار المتبادل وربما كانت هناك أحضان وقبلات، إن مثل هذا المشهد الذي يتكرر كثيرا في شوارع القاهرة المزدحمة، لو حدث بين اثنين في روما أو استنبول أو جوهانسبرغ أو أثينا فإنه سينتهي عادة بالقتل أو بالضرب، فأن تهدد شخصا لا تعرفه يعطيه الحق في أن يبادر باستخدام القسوة معك، إلا في مصر، قد يكون التهديد بداية صداقة متينة على طريقة «ما محبة إلا بعد عداوة». وبلغة الدكتور أحمد عكاشة فإن الشخصية المصرية في كثير من الأحيان هي شخصية اعتمادية سلبية عدوانية استهوائية، وأضيف من عندي استهزائية، أي لا تكف عن السخرية من خصومها وأحيانا من نفسها، وهو ما يفسر براعة المصريين في اطلاق النكات السياسية والدينية والجنسية، إن النكتة هي نوع من العدوانية، لكنها عدوانية سلبية، كذلك، الشائعة، والنميمة، وغيرها من وسائل التشهير والاغتيال النفسي والمعنوي الأخرى. وقبل أن تغضب من الدكتور أحمد عكاشة، تأمل ما نفعله، إننا نتقبل الأمر الواقع مهما كان مرا بدعوى أننا «لن نصلح الكون» ونتقبل كل البشر من حولنا مهما كانت علاقتنا بهم سيئة بقانون «أصبر على جار السوء يا يرحل يا تقضي عليه مصيبة»، فنحن ننتظر الحل من قوى خفية لا نعرفها، ونحن نجلس على محطة قطار ننتظر قطاراً لا نعرف إن كان سيمر بنا أم سيمر بمحطة أخرى، نحن ننتظر ما لا يأتي، أو ما يأتي بعد فوات الأوان. وفي مذكرات سعد زغلول: أن المندوب السامي البريطاني كان في حفل غنائي ولاحظ أن المطرب ينفعل بحرقة وهو يقول: «هاتو لي حبيبي» وعندما ترجموا له الأغنية ابتسم ساخرا، فحتى الحبيب نريد من يأتي لنا به، نريد حبا على الجاهز، نريد توصيل الحبيب بالتليفون مثل البيتزا، هوم دليفري، إنها الشخصية الاعتمادية التي تلقي كل متاعبها على الآخرين، وتطالبهم بأكثر مما يجب وإلا كانت القطيعة، إن أقرب الأصدقاء إليك مهدد بالاختفاء من حياتك لو رفض اقراضك مالا، أو لو لم يستجب لطلب غير منطقي لك، ويصل الاعتماد على الآخرين الى حد مطالبتهم بالشهادة الزور وأشياء أخرى مهينة وغير أخلاقية كما يقول مثل مصري شهير، وفي الوقت نفسه يشعر المصريون بالكارثة والضياع عند نهاية علاقة حميمة، عاطفية أو شخصية، وفي هذه الحالة وفي غيرها يسارع المصريون بالقاء المسئولية على غيرهم، ويندر أن يفتشوا عن أسباب ما جرى في أنفسهم، ومن ثم فإن نظرية المؤامرة هي أكثر النظريات النفسية شيوعا، وقبولا، فلو كشفت انحراف شخص ودعمته بالأدلة فإنه يترك ذلك كله ويفتش عن المؤامرة الخفية التي جعلتك تدينه، والأسباب الشخصية التي جعلتك تفعل ما فعلت. ورغم أن «باب النجار مخلع» فإن المصريين لا يكفون عن كثرة النقد والسخرية من سلوكيات الآخرين وتصرفاتهم دون أن ينتبهوا أنهم يفعلون الأشياء ذاتها، +إن الذي يصرخ من تجاوز قواعد المرور لا يحترم من جانبه هذه القواعد، والذي لا يكف عن ضرب غيره بملاحظات التسيب ينتبه الى أن بيته من زجاج، والذي يكرر «مفيش فايدة» ينسى غالبا أنه مسئول عما هو فيه، إنهم يسقطون كل الكوارث على غيرهم دون أن يقوموا بعمل ايجابي، ولعل هذا يفسر حالة الاعتماد شبه الكاملة على الحكومة حتى في أبسط الأشياء، مثل النظافة، وأخلاق قيادة السيارات. إن الرجل المصري أكثر رجال العالم اعتمادا على زوجته وعلى الحكومة وهو في الوقت نفسه أكثر رجال العالم غضبا من زوجته ومن الحكومة، لكنه رغم كل هذا الغضب لن ينام في نهاية اليوم إلا في أحضانهما، وعلى حد تشريح الدكتور أحمد عكاشة فإن مثل هذه الشخصية التي يصفها بالاستهوائية تنفرد في أقصى صورها بتفخيم الذات، والتعبير المبالغ فيه عن المشاعر، وإن كانت هذه المشاعر سطحية وهشة ولا تضع الآخرين في اعتبارها، وهي تتحرق شوقا للتقدير والثناء وربما الرياء والنفاق، وسنجد شخصية من هذه النوعية في كل عشرة رجال، وثلاث شخصيات منها في كل عشرة نساء، وسبب شيوعها بين النساء التربية الخاطئة التي تركز على عواطف المرأة وصلابة الرجل، وتمنحها العذر في سرعة التقلب وتغير الوجدان وسطحية الانفعال لأتفه الأسباب. وتميل المرأة الاستهوائية الى الاعجاب بنفسها وتستسلم لرغباتها في الظهور ولفت الانتباه وحب الاستعراض والمبالغة في الكلام والملبس وتأويل الكثير من الظواهر العادية بطريقة جنسية، وعلى الرغم من أن معظم الرجال ينجذبون الى هذه الشخصية فإن الكثيرات منها يعانين من البرود الجنسي، وقد نصاب بالدهشة عندما نعلم أن ملكات الاغراء الجنسي في العالم يعانين من البرود، وأكبر دليل على ذلك شهادة الكاتب الأمريكي أرثر ميللر عن زوجته مارلين مونرو، ويندر أن توجد امرأة واحدة استهوائية لم تتعدد علاقاتها العاطفية والزوجية، إن الدنيا بالنسبة لها جنة لا تعرف كيف تستمتع بها ونار لا خلاص منها. ويصعب أن يبدع الانسان أو يتمتع بصحته النفسية وهو في مدينة مزدحمة متخمة مترهلة مثل القاهرة، إن الانسان كي يبدع ويبتكر ويتفاهم مع الآخرين بسلاسة عليه أن يعيش في مساحة مقبولة، لكن، في القاهرة الأكثر ازدحاما على ظهر الأرض يعيش أكثر من 60 ألف نسمة في الكيلومتر المربع الواحد، وهو ما يعني أن الانسان في القاهرة لا يستطيع الاهتمام إلا بشئونه الخاصة الضرورية، ولا يأمل في أكثر من تحقيق الأمان لأسرته بغض النظر عن شئون الوطن والشأن العام، وهو ما يفقده الانتماء والاندماج وتكوين شخصية قومية سليمة، قائلا: «إن البلد بلدهم وهم أحرار فيها» وهو ما يجعله أيضا يردد مثله مثل الآخرين إنه «لن يصلح البلد وحده»، وأغلب الظن أنه لن يعترض على أن يشارك الآخرين في هدمها. وتبرز الاتكالية في الشخصية المصرية منذ اليوم الأول لتفتحها على الحياة، فالطفل يجد نفسه محمولا على كفوف الراحة ويحرم من اكتساب مهاراته بتجريبها مع من حوله، ويرى والديه يهتمان بالدروس الخصوصية لاجتياز الامتحان بغض النظر عما اكتسبه من معرفة، فينينشأ وهو يدرك أن العمل الجاد لن يوصله الى النجاح، ثم يجد أن الناظر يرفع من نتيجة الامتحان لتجميل صورة المدرسة أمام المفتش، والمفتش يرفعها بدوره لارضاء مدير المنطقة التعليمية،. ومدير المنطقة يرفعها بدوره لإرضاء الوزير، إن المظهرية، والتناقض بين الشكل والجوهر، والمسافة الشاسعة بين القول والفعل، والمعايير المزدوجة، واللف والدوران، وابتكار الأعذار، هي أمراض اجتماعية مصرية تسببها تداعيات الشخصية الاتكالية. ويلعب الدين دورا مذهلا في حياة المصريين، إنهم أول من عرفوا الله وأوجدوا الضمير الإنساني وآمنوا بالعالم الآخر، لقد آمنوا بالله قبل الأديان السماوية، فلا مفر من الاعتراف بأنهم من أكثر شعوب الأرض تدينا، لكن، للأسف الشديد فإن غالبيتهم لهم تصور خاطئ عن الدين» على حد استدراك الدكتور أحمد عكاشة الذي يضيف: «إن الدين معاملة ونية وإحساس داخلي عميق بالايمان، وليس مجرد القيام بالطقوس بغض النظر عن محتواها والمقصود منها، فنحن نعلم أطفالنا الخوف والعذاب وجهنم وننسى الحب والطمأنينة والسلام والجنة، عندما يكذب الطفل نقول له: مصيرك النار، وعندما يقول الصدق لا نحاول تعزيزه بالثواب، ويستمر ذلك في المراهقة والنضج حيث يبدأ خطباء الجمعة في سرد عذاب جهنم وعذاب القبر أكثر من الحديث عن جمال وطمأنينة الخلود في الجنة، فالايمان الذي ينبع من الخوف هو إيمان مختلف عن ذاك الذي ينبع من الرغبة في الحب وعمل الخير». «إن المعايير المزدوجة المتمثلة في اهتمام الناس بالحج عشرات المرات واداء العمرة تتناقض مع السلوك اليومي الذي تواكب مع الكذب والرياء والمعاملة السيئة والجشع والطمع، صحيح أن التعميم غير دقيق لكن المؤكد أن الاعتدال في الطقوس والالتزام بالمحتوى هو صلب الايمان». إن إهمال العمل للقيام بطقوس مبالغ فيها هو أمر ضد الدين، وكذلك الخرافات، والارهاب، والتكفير، وغلق باب الاجتهاد، وانتظار المعجزات، والأخطر الاكتفاء بالشكل في كثير من التصرفات، إنك قد تجد من يغضب من امرأة لا تغطي شعرها لكنه لا يغضب من رشوة تقدمها له، لقد ذهبت عندما قرأت تحقيقات القضية التي حوكم فيها بعض مسئولي الجمارك والمعروفة بقضية محيي الدين الغريب، لقد سجلت أجهزة الرقابة مكالمات موظفة كبيرة في الجمارك كانت تتقاضى الرشوة ولا تحترم الحجاب الذي ترتديه، وكانت تمارس الفاحشة في تليفون مكتبها وفي الوقت نفسه كانت تعتبر مصافحة الرجال عورة، وعندما سألها صديقها «الحاج» لماذا لم تأت له في بيته أجابت دون تردد: إنها كانت صائمة يوم الاثنين، وفي نهاية المكالمة المثيرة حرصت على أن تنتهي بعبارة: «لا إله إلا الله» ، فعلا، لا إله إلا الله. ـ كاتب مصري