انظر في هذه المعادلة البسيطة: إذا كان مرتكز برنامج الحزب الحاكم في اسرائيل هو رفض قيام دولة للفلسطينيين على الارض الفلسطينية المحتلة، فان هذا يعني استمرار الوضع الاحتلالي إلى الأبد وضم الارض المحتلة إلى اسرائيل تحقيقاً لمشروع اسرائيل الكبرى»؟ ماذا إذن يعني مبدأ «السلام خيارنا الاستراتيجي» الذي لا تمل السلطة الفلسطينية والانظمة العربية من تكراره؟ وماذا تعني «عملية السلام» ومفاوضاتها؟ وماذا تعني، بصفة خاصة، المبادرة العربية التي ترتكز على افتراض بأن تصفي اسرائيل احتلالها وتنسحب بالكامل؟ لقد قال حزب الليكود الاسرائيلي كلمته الفاصلة هذا الاسبوع: «لا للدولة الفلسطينية.. اليوم أو غداً». وإزاء هذا القول الفصل اشرأبت اعناق الشعوب العربية لتسمع ماذا عسى ان تقول القيادات العربية الان بما في ذلك قيادة السلطة الفلسطينية. فالمنطق النظري يقول: اذا كان الاسرائيليون يرفضون الجلاء عن الارض المحتلة، مما يجعل بالتالي الدعوة العربية الى التفاوض السلمي بلا اي معنى، فماذا يتبقى غير استخدام القوة لاجلائهم. ان من المثير ان القادة العرب يقبلون هذا المنطق لكنهم يرفضون نتيجته الحتمية.. وبالأحرى يتحاشون عمداً التوصل إلى هذه النتيجة رغم طبيعتها الحتمية، فقد أجمعت القيادات العربية على ان قرار الحزب الحاكم الاسرائيلي ينسف الاساس الذي تقوم عليه عملية السلام التفاوضي.. لكنهم يتوقفون عند هذا الحد حتى لا يصل بهم التسلسل المنطقي إلى الاقرار بأن الخيار المتاح الاوحد هو مجابهة الاحتلال الاسرائيلي عن طريق نهج المقاومة ـ بما في ذلك العمل الاستشهادي. قال الرئيس عرفات ان القرار الاسرائيلي هو «نسف لاتفاقية أوسلو».. أي الاتفاق الذي على أساسه تنطلق اي عملية تفاوضية. وقال مساعده صائب عريقات ان هذا الموقف يكشف نوايا اسرائيل «التي تريد استمرار احتلال الاراضي الفلسطينية». واستخلص وزير خارجية مصر أحمد ماهر أن الاسرائيليين «لن يستطيعوا كبح جماح القوى الفلسطينية الراغبة في تقرير مصيرها واقامة دولة فلسطينية مستقلة». وبالطبع لن يستطيعوا.. لكن ذلك مشروط باعتماد نهج الكفاح المسلح. وقال المتحدث باسم الحكومة الاردنية محمد العدوان ان الحزب الاسرائيلي الحاكم «غير معني بالسلام في المنطقة» وان قراره محاولة «لنسف عملية السلام من اساسها». ولكن بالرغم من قوة التعقيبات العربية الرسمية على قرار الليكود الاسرائيلي الحاكم بتسفيه فكرة قيام دولة مستقلة للشعب الفلسطيني، فانها تعقيبات ناقصة لانها عند نهاية المطاف لا تجيب عن السؤال المحوري: ثم ماذا بعد؟ فإذا كانت القيادة الفلسطينية ترى ان هذا القرار الاسرائيلي الخطير نسف عملياً اتفاقية أوسلو، وبالتالي طوى صفحة التفاوض السلمي.. وان الهدف الاسرائيلي الحقيقي هو استمرار الاحتلال.. وإذا كانت دول عربية مفتاحية تتجاوب مع هذه الرؤية الفلسطينية وترى ضمنا ان القوى الفلسطينية يجب ان تمضي في سبيلها لاقامة دولتها الوطنية لان الحزب الحاكم في اسرائيل ليس معنيا بالسلام.. فما هي الخطوة العربية التالية بناء على هذه الاستخلاصات الرصينة؟ ولنتوقف عند تساؤل بليغ طرحه د. صائب عريقات: «كم هم الفلسطينيون الذين سيستيقظون غداً ليقولوا لأنفسهم انه لم يبق لهم شيء يخسرونه بعد هذا الرد الاسرائيلي على البيان المصري السوري السعودي الداعي الى سلام شامل مع اسرائيل؟». عريقات يشير إلى قمة شرم الشيخ المصغرة التي ما كادت تنفض معلنة «الوقوف ضد العنف» وإعلاء شعار «السلام الشامل» مع اسرائيل، حتى رد عليها حزب الليكود الحاكم بقرار يقول ضمنا ان السلام الذي تقبله اسرائيل مشروط باستسلام عربي أبدي لحالة الاحتلال الاسرائيلي في الارض الفلسطينية. لقد قال عرفات ان القرار الاسرائيلي نسف اتفاق أوسلو.. وكان حريا به ان يكمل ملاحظته القيمة ليقول انه ايضاً نسف المبادرة العربية المطروحة التي تبنتها قمة بيروت. وبعد.. من يجرؤ بعد الان على مطالبة الشعب الفلسطيني وفصائل المقاومة بالجنوح الى السلم؟