تشهد العاصمة الاسبانية مدريد على مدى يومين: صباح اليوم الجمعة وغدا السبت اللقاء الثاني بين دول الاتحاد الأوروبي ودول أميركا اللاتينية، وهو لقاء يعلق عليه الجانبان أهمية كبرى، وان كان كل جانب يرى الآخر هذه المرة من منظور مختلف، وأهدافهما مختلفة أيضا، والأرضية التي يقف عليها كل منهما، أو أعضاء كل جانب منهما، مختلفة. على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي يحضر هذا اللقاء تحت رئاسة أسبانيا التي تعتبر بمثابة الدولة «الأم» لأميركا اللاتينية، باعتبارها الدولة الاستعمارية القديمة التي هيمنت على تلك الأرض قرونا عدة قبل تقسيمها دولا ودويلات، والمفترض أن تلعب دورا كبيرا من أجل اقناع دول الاتحاد الأوروبي بالتوصل الى اتفاقات ثنائية تقلل من حجم المعاناة التي تعيشها شعوب أميركا اللاتينية، الا أن اللقاء هذه المرة تخيم عليه ظلال اختلافات عميقة في وجهات النظر بين الدول الأوروبية في علاقاتها بدول أميركا اللاتينية، بعضها له علاقة بما يحدث على المستوى العالمي في ظل هيمنة الولايات المتحدة القطب الأوحد والأقوى عسكريا، لذلك من المنتظر أن تحاول بعض الدول من الجانبين كسب ودها، خاصة رئيس الوزراء الاسباني خوسيه ماريا ازنار الذي يبذل جهودا كبيرة لكسب مزيد من الود تجاه «صديقه» جورج بوش الابن، خاصة أن الرئيس الأميركي يقف على الشاطئ السياسي الذي يقف عليه خوسيه ماريا أزنار، وهو الجانب المحافظ. يضاف الى هذا الموقف الشخصي لرئيس الوزراء الاسباني الذي يطبع علاقات بلاده بغيرها من دول العالم وعلى رأسها العلاقة مع كوبا، على الرغم من محاولات الملك خوان كارلوس الأول أن تكون تلك السياسة «موضوعية» بعيدا عن الأهواء الشخصية. تباعد المواقف هذا الموقف الشخصي وتأثيره على السياسة الخارجية الاسبانية لم يكن تجاه كوبا فحسب، بل برز وبشكل غير ودي تجاه الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز خلال محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت ضده الشهر الماضي والذي تشير كل الدلائل أن من ورائها المخابرات الأميركية، بايعاز مباشر من البيت الأبيض. فقد أعلنت اسبانيا منذ اللحظات الأولى للانقلاب، وان كان بشكل «غير مباشر»، عن دعمها لأي حكومة تصل الى السلطة في كاراكاس، على الرغم من أن الحنكة السياسية كانت تقتضي الانتظار حتى تنجلي الأمور ويتضح نجاح الانقلاب أو فشله، اضافة الى أن المبادئ الديمقراطية كانت تقتضي منها رفضها لاحتلال السلطة من خلال الانقلاب العسكري أو التآمر كما حدث في فنزويلا، فكانت النتيجة أن عودة هوجو شافيز الى قصر الرئاسة، بفضل الانقلاب المضاد الذي قاده أنصاره في الجيش، خيبت «الآمال» الشخصية لخوسيه ماريا ازنار، وألقت بسحابة قاتمة على العلاقات بين البلدين. ثم جاء تأييد رئيس الوزراء الاسباني لعملية «هروب» شركات بلاده من الأرجنتين، في الوقت الذي كان يجب أن تتحمل فيه تلك الشركات مسئوليتها عن الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعيشها، لأنها اشترت معظم الشركات الأرجنتينية كالتليفونات والبترول والطاقة بأسعار زهيدة، وحصلت خلال الأعوام الماضية على أرباح خيالية، وعندما انتهت الأرجنتين الى «الافلاس» قررت تلك الشركات الهروب بما حصلته، على الرغم من أنها كانت وراء عمليات مالية ومضاربات كانت السبب الرئيسي في تحول الأرجنتين من بلد منتج الى بلد مستهلك ومفلس غير قادر على توفير الاحتياجات الأساسية لسكانه. من ناحية أخرى، فان الدول الأميركية اللاتينية تأتي الى هذا اللقاء الثاني وهي ليست أفضل حالا من اللقاء الأول، يأتي ممثلوها محملين بعبء دين يزيد على 780 مليار دولار، أي بزيادة 50 مليار دولار عن ديونها خلال العام الماضي، واكثر من 60% من شعوبها تعيش تحت الحد الأدنى من الفقر. هذا الوضع الاقتصادي المتردي انعكس على علاقاتها البينية التي يخيم عليها مناخ من الانقسام برز واضحا قبل أسابيع قليلة في المكسيك، والذي انتهى برحيل الزعيم الكوبي فيدل كاسترو قبل انتهاء قمة المكسيك بين الفقراء والأغنياء، وتبين بعدها أن رحيله جاء نتيجة ضغوط أميركية رضخ لها الرئيس المكسيكي فيثنتي فوكس، حتى لا يحدث لقاء وجها لوجه بين كاسترو وجورج بوش. النتيجة النهائية كانت كشف كاسترو للحوار التليفوني مع الرئيس المكسيكي واذاعته علنا عبر الأثير، رغم طلب هذا الأخير أن يكون حوارهما سرا، وانتهت المعركة الاعلامية بتأزيم العلاقة بين البلدين، وطلب المعارضة المكسيكية باستقالة حكومة فوكس لأنها رضخت للضغوط الأميركية مما يعتبر اهانة للكرامة الوطنية للشعب المكسيكي (!). هموم اقتصادية أدى تدخل بعض الدول الأميركية اللاتينية في هذه الأزمة، بايعاز من واشنطن أيضا، الى خلق مناخ يتعذر معه الاستمرار في علاقة طبيعية بين شعوب تتحدث لغة واحدة وتربطها ثقافة واحدة، بل ومصير واحد لأنها جميعا تعيش حالة اقتصادية متردية بسبب طاعة البعض العمياء لأوامر واشنطن التي لا تخدم سوى مصالح الشركات الأميركية. بعد كوبا نجد أن على ممثلي فنزويلا أن يشاركوا في هذا اللقاء وهم مجبرون أن يرسموا على وجوههم سمات تعلن غير ما تبطن، عليهم أن يبتسموا في وجوه بعض الأوروبيين الذين دعموا الانقلاب ضد رئيسهم هوجو شافيز، أو ابدوا موقفا بالموافقة الضمنية من خلال عدم ادانتهم لهذا الانقلاب في لحظاته الأولى. أما الرئيس الأرجنتيني فانه يصل الى مدريد وفي حقيبته الكثير من المطالب، بعض تلك المطالب مادية في محاولة للحصول على مزيد من القروض لانقاذ بلاده المفلسة والتي لا تملك بنوكها أموالا لاعادة مدخرات الفقراء الذين أودعوها للحصول على عائد قليل يعينهم على مواجهة أعباء الحياة التي تزداد يوما بعد يوم، واذا بهم يخسرونها ولا يملكون الحصول عليها الا باللجوء الى قضاء «فاسد»، باعتراف رئيس الدولة في مقابلة مع صحيفة اسبانية، قضاء يمكنه رفض مطالب الفقراء لأن البنوك تملك أموالا أكثر، وقادرة، بل ومتمرسة في رشوة القضاة والسياسيين. ثم تأتى التشيلي التي لا تزال تحمل شيئا من الغضب من اسبانيا بسبب موقف حكومة خوسيه ماريا ازنار الذي كان سلبيا خلال أزمة «الجنرال بينوتشيه» الذي قضى اكثر من عام كامل حبيس سكنه في لندن بسبب مطالبة القضاء الاسباني بمحاكمته عن عمليات التعذيب والاغتيال التي مارسها الجيش والمخابرات التشيلية على عهده، عندما كان الحاكم الأوحد بعد انقلاب 1973 الذي راح ضحيته الرئيس المنتخب ديمقراطيا «سلفادور الليندي».. في ظل هذا المناخ هناك تخطيط مسبق من جانب الاتحاد الأوروبي لاختراق القارة الأميركية اللاتينية اقتصاديا باعتبارها أحد الأسواق الرئيسية للمنتجات الأوروبية، وأيضا باعتبارها مصدرا رئيسيا من مصادر المواد الأولية، ومنها مواد يمكن استخدامها كاحتياطي يحمي الصناعات الأوروبية من أي أزمة تأتي من مناطق ساخنة سياسيا كالشرق الأوسط. الخطط الأوروبية للتعامل اقتصاديا مع أميركا اللاتينية وضعت «خطوط حمراء» فاصلة لا تتعداها حتى لا تغضب الولايات المتحدة التي لا تنظر بعين الرضا لمثل هذه الحوارات مع منطقة ترى أنها من أهم مناطق نفوذها التقليدية، وأي تدخل هناك لا بد وان يخضع لرقابة شديدة من جانب واشنطن، وان كان بعض المراقبين لا يرى مشكلة في هذا الأمر، لان أوروبا تقبل هذه الرقابة في ظل احساسها بالدونية أمام القطب الأعظم في العديد من المسائل السياسية الدولية الحساسة، وبدا هذا واضحا في تبنيها لموقف الولايات المتحدة تجاه المشكلة الفلسطينية، وتخليها عن فكرة فرض عقوبات اقتصادية على اسرائيل تلبية لطلب جورج بوش. طريق المستقبل حتى يمكن خلق مزيد من الشقاق بين دول أميركا اللاتينية لتحقيق أكبر قدر من المصالح الأوروبية بلا مقابل مادي كبير من جانب دول الاتحاد الأوروبي، تم اعداد اتفاقيات يمكن عقدها بشكل منفصل بين عدد من التجمعات التي تم الاعلان عنها والتي تقسم أميركا اللاتينية اقتصاديا الى مجموعات منفصلة: اتحاد سوق الجنوب «ميركوسور» الذي يضم كلا من الأرجنتين والاوروجواي والبرازيل، وهناك اتفاق منفصل مع التشيلي، وآخر مع مجموعة دول الانديز المكونة من البيرو وكولومبيا والاكوادور، ثم هناك اتفاق مع ما يسمى باسم «مجموعة سان خوسيه». وفي اطار مكافأة الأوفياء من الأصدقاء في أميركا اللاتينية، أي من يقبلون التبعية وينفذون سياسات تضع المصالح الأوروبية قبل المصالح الوطنية، قرر الاتحاد الأوروبي توقيع اتفاق مساعدات خاص من رئيس السلفادر اليميني «فرانثيسكو فلوريس»، الذي وصلت مستوى علاقته برئيس وزراء اسبانيا خلال الأشهر القليلة الماضية الى مستوى لا يتناسب مع العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وهو ما يثير تساؤلات كثيرة. ثم هناك اتفاق آخر سوف يتم توقيعه مع المكسيك باعتبارها الاقتصاد «الأكثر قوة» في منطقة وسط أميركا اللاتينية، حسب تصنيف الاتحاد الأوروبي، مع ان الواقع يقول ان اقتصاد المكسيك يئن تحت عبء ديون أميركية ضخمة أنقذت البلاد من الافلاس الشامل عام 1995 عندما انهارت العملة الوطنية. لكن روعي في هذا الاتفاق العلاقة الخاصة التي تربط المكسيك بالولايات المتحدة من خلال الاتحاد الجمركي الثلاثي الذي يجمعهما مع كندا في سوق واحد، وهو ما يثير تساؤل المراقبين هنا عن نوعية هذا الاتفاق الذي تستفيد منه المكسيك اقتصاديا اكثر من غيرها من دول المنطقة برغم أنها تعتبر أحد حلفاء الولايات المتحدة المقربين. لكل هذه الأسباب فان لقاء مدريد لن يكون مثمرا بالنسبة للجانب الأميركي اللاتيني بقدر المنفعة التي تستفيد منها دول الاتحاد الأوروبي، ولو حدث ما يتوقعه المراقبون فان هذه الخطوة تأتي في الطريق الخاطئ الذي لا يزال يضع مصالح رأس المال في المقدمة دون مراعاة لمصالح الشعوب. لذلك يتوقعون أن ينتج عن هذا أن تلك المنطقة قد تمر بأحداث مؤلمة، وقد تتعرض حكوماتها «الديمقراطية» لهزات متواصلة ربما تعيد سنوات الانقلابات العسكرية التي كانت أهم سمات الحكم في تلك البلاد، وان كان هذا احتمالاً يمكن أن يتبدل بالتحول الى انقلابات «مدنية» في اطار «ديمقراطي» والتي كانت محاولة الانقلاب الفاشلة في فنزويلا نموذجا لها! ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا