لاشك ان المطبعين العرب يعيشون مأزق العمر، لكنهم ـ رغم ذلك ـ يعيشون ايضا فرصة نادرة هذه الايام. المأزق: لان الاحداث والتطورات التي جرت على ارض فلسطين، والمذابح التي شهدتها مدن الضفة اثبتت ـ باليقين ـ ان كل ما كانوا يرددونه بالأمس اصبح اليوم أكاذيب. اما الفرصة: فيمكنهم تحقيقها، لو انهم امتلكوا الشجاعة المطلوبة لمثل هذه المواقف، واعلنوا بكل صراحة انهم كانوا ضحايا لنواياهم الحسنة! ومن ثم فانهم يعترفون امام الجميع بهذه الحقيقة ـ التي ربما غابت عنهم ـ وانهم كانوا على خطأ، فاسرائيل دولة لا تعرف السلام ولا تريده. ولكن يبدو ان المأزق غلب ـ حتى الآن ـ على الفرصة، رغم ما تحمله الاحداث والاخبار بأن اليوم لم يعد لهم، وكذلك المستقبل لن يكون لدعاواهم مكان فيه. فمن القاهرة أتت البشائر بأن السلطات المصرية قررت عدم منح الغطاء القانوني لما تسمى «جمعية الصداقة المصرية الاسرائيلية»، وبذلك لم يعد لهذه الجمعية المشبوهة اي حق في مزاولة نشاطها، وهذا الاجراء يأتي متوافقا مع الرغبة الشعبية التي ترى في اسرائيل عدوا لا صديقا. ورغم ان الجمعية ـ كما هو معروف عنها ـ محدودة الاعضاء، فعضويتها لا تتعدى الخمسين شخصا من الحالمين بالشهرة او ما هو اكثر، الا ان هذا الاجراء كان ضروريا ومطلوبا من اجل تصحيح وترشيد الوعي العام، خاصة عند فئة الشباب التي تعرضت لغسيل مخ قام بها امثال هؤلاء المطبعين، او بالأحرى هؤلاء السماسرة الذين احترفوا هذا الدور المرسوم لهم، فهم انتهازيون لا قيمة لديهم سوى استقراء اتجاه الرياح ومعها يذهبون ويتحركون طمعا ورغبة وليس انطلاقا من مصلحة عامة. فأي مصلحة تكمن في التعامل مع اسرائيل العدو الاول للامة العربية والاسلامية؟! هذه القلة او هؤلاء السماسرة تاجروا بلحم الامة واشلاء الشهداء طوال السنوات الماضية، وملأوا الدنيا ضجيجا وصراخا ـ في زمن انتعاش المفاوضات ـ حول حتمية وفوائد السلام مع اسرائيل، فكانوا يطلون عبر الفضائيات العربية التي اشتهت التعامل معهم وهم يرددون هذه الحتميات والفوائد وساعدهم على ذلك الدعم الذي حظوا به من بعض الجهات والأجهزة الرسمية. ولم يكن هؤلاء «المنعمون» بالصداقة مع اسرائيل هم وحدهم في هذا الميدان فقد سبقهم اليها مسئولون جاهر احدهم بلا حياء وطني بأنه لولا الخبرة الاسرائيلية لجاع الشعب المصري ولحرم من «خيرات» الكنتالوب. كما تنافس مع هؤلاء ايضا جماعة كوبنهاغن الذين كانوا اكثر حنكة واكثر تنظيرا واكثر خطورة في الوقت ذاته وظن هؤلاء انهم فرسان هذا الزمان، فدعوا الى التخلي عن العداء لاسرائيل وضرورة الانفكاك من «العقد النفسية» العربية تجاه الصهيونية، وراحوا يتغنون بنظرية اللكزس وغصن الزيتون. هؤلاء المطبعون على اختلاف فرقهم ومواقعهم لم يكتفوا بالنضال التلفزيوني والتنظير الفكري وما أدى اليه من تخريب لعقول الشباب، بل راحوا يروجون لزيارة اسرائيل تحت زعم «معرفة العدو عن قرب» ولكنهم حينما عادوا، تكشف انهم نالوا المكافآت عبر ترجمة اعمالهم «الادبية» الى العبرية بل ان بعضهم كتب المقالات وألف الكتب التي تمتدح اسرائيل وديمقراطيتها ويتهمنا نحن العرب بالتخلف والدونية، وان العيب فينا نحن وليس في اسرائيل. الآن.. اين ذهب هؤلاء جميعا الذين حاولوا التغلغل كالسرطان في جسد الامة؟ لماذا لم نسمع صوتا لاي منهم منذ الاجتياح الاسرائيلي للمدن الفلسطينية؟ لماذا لم نسمع منهم ادانة واحدة للمجازر التي ارتكبت في مخيم جنين؟ أين الكاتب المسرحي الذي أوجعنا مدحا عن التفوق الاسرائيلي؟ أين السفير السابق الذي كان نجم الفضائيات؟ أين المنظر الكبير الذي غنى ولحن نظرية الليكزس وغصن الزيتون؟ أين ذاك المخرج المغمور الذي لم يقدم عملا فنيا واحدا يعرفه به الناس خارج المناظرات الفضائية؟ أين هذا المسئول الذي عيّر الشعب المصري بحلاوة الكنتالوب الاسرائيلي؟ لماذا اختفى كل هؤلاء ومن معهم؟ هل ينتظرون تغير الظروف فيعاودون تعويم انفسهم ثانية؟ الافضل لهم جميعا ان يتحدثوا ويغتنموا الفرصة ويقروا انهم كانوا على خطأ، وان اسرائيل خيبت ظنهم، وبذلك يبيضون صفحتهم، وينسى لهم الناس ما سلف. وليس في ذلك عيب فقد سقط قبلهم مثقفون كثر توهموا امكانية السلام مع اسرائيل في اعقاب الزيارة الشهيرة للرئيس السادات الى القدس، ولكنهم سرعان ما ادركوا الحقيقة فصوبوا موقفهم. وكان من هؤلاء الأديب الراحل توفيق الحكيم وأديب نوبل نجيب محفوظ أمد الله في عمره اللذان لم يذهبا بالطبع الى ما ذهب اليه مطبعو «الصداقة»، و«كوبنهاغن»، كما سقطت مثلهم احزاب سياسية سرعان ما صححت موقفها وسياساتها. أما اذا صمم هؤلاء على موقفهم وصمتهم فهذا من حقهم ايضا، ولكن عليهم ان يتحلوا بالشجاعة ويتحدوا الحقائق الجديدة في الشارع المصري والعربي، بالدعوة الى مسيرة سلمية على غرار مسيرة انصار السلام الاسرائيليين، يتمسكون فيها بموقفهم المؤيد للتطبيع والسلام مع اسرائيل . وفي هذه الحالة سترد عليهم الجماهير التحية بأحسن منها على الوجه والقفا. احمد الكناني