في الوقت الذي يستمر فيه جيش العدو الاسرائيلي في احتلال مناطق السلطة ، ومواصلة حكومة السفاح شارون خبثها واجرامها العلني وفي ظل البعض الخبيث الذي ينادي بتدخل جهات خارجية للقيام بمهمات السلطة الادارية، وكأن المسألة تركة لا راع لها، وفي الوقت الذي يتربص الخبث الصهيوني بأي مشاريع مقبلة للمباحثات او اي شيء شبيه، تتغلغل بين الفلسطينيين خيوط خلاف يأمل كل عربي ينادي باسم القدس وفلسطين ألا تضرب مثل هذه السموم الخطرة في صميم الوحدة الفلسطينية التي هي اساس البطولة والمقاومة والنضال الذي استنزف الدماء الطاهرة، وليس في هذا الوقت العصيب بالذات ولا حتى مستقبلا، ولا في اي وقت من اوقات الرخاء، لان المهمة الملقاة على هذه الوحدة الان وغدا مهمة خطرة، ومهمة تحديد خيارات صعبة. فمنذ ايام بدأت وسائل الاعلام تروج لهذه الخلافات التي هي وان كانت فانها تأتي اليوم مدفوعة بحساسية المرحلة والموقف، وفي ظل راهن أليم وحزن عميق، وارتباكات لا يمكن انكارها. والدعوة التي تبرز الان والتي تطالب الفصائل الفلسطينية بضرورة ان تجتمع تحت سقف واحد من اجل اعادة لحمة الصف والاتفاق على تناول المرحلة المقبلة بشيء من العقلانية والحكمة، هي دعوة صائبة، لانه لابد لهذه الفصائل ان تبلور سيرها بعد كل ما جرى، اما الانهماك في تبادل الاتهامات ودفع التصريحات المتضادة بين بعضها البعض، فلا يولد إلا الضعف، ولا يراكم الا مشاحنات تصبح في الوقت نفسه متنفسا لاولئك الذين يريدون الصيد في المياه العكرة وأولهم كل من يقف ضد قيام دولة فلسطين. الدعوة حتى لو جيرتها بعض الفصائل لصالح التهدئة والقضاء على الانتفاضة، فانها لا تعني ذلك بالضرورة، لان المقاومة خيار كل فلسطيني، وخياره الوحيد ولا احد يملك ايقافه عن القيام بذلك، لكن ايضا نؤمن ان كل محارب بحاجة الى جلسة في الظل لاعادة النظر في المسافة المتبقية من النضال ومراجعة التكتيكات التي يفرضها الواقع. ما نسمعه اليوم من تبادل الاتهامات لا يتناسب مطلقا مع حجم ألالم والحزن اللذين اعتصرا قلب الامة وقبلها قلوب الفلسطينيين انفسهم، واذا ما كانت الارواح التي ارتفعت الى بارئها ثمنا للنضال والارض والتحرير ووحدة الصف هي فداء لاستعادة الكرامة، فان علينا ان نقبض على ثمن هذه التضحيات الكبيرة والمشرفة لا ان نبددها في دوامات التنكيل بمواقف بعضنا البعض. صوت العقل وصوت الضمير مطلوبان اليوم، وكما هي السلطة الفلسطينية مطالبة باعادة تنظيم اوراقها بشكل تصبح فيه قادرة على قيادة شعبها الى النصر، فان كل الفصائل الفلسطينية التي رفعت راية شرف النضال دون تمييز احد عن احد مطالبة برص الصف من اجل اشياء كثيرة مهمة، منها ان يرى هذا العدو السرطان ان هذا الشعب المرابط لا يمكن ان تخترق صدره رصاصة خبيثة، او اللعب عليه بالاساليب القذرة التي عرفت وانكشفت اوراقها. لا احد يطالب اي فلسطيني بالتخلي عن انتفاضته لحقه المطلق في استعادةحقوقه المغتصبة، لكن لان الفلسطينيين لا يواجهون العدوان الاسرائيلي الغاشم وحده فقط، بل كل الظروف التي تأملوا فيها خيرا خانتهم خيانةسافرة، فان عين الحكمة هي في رص الصفوف، وقراءة الواقع، قراءة جماعية لا فردية.